البوسنيون والتقاطع الحضاري العالمي

مهنا الحبيل

تجاوب فريق مطار سراييفو بسرعة مع ازدحام صالة المسافرين، وفُتحت نوافذ إضافية لضباط الجوازات، وباحترام بالغ نُظّمت مساراتنا. لم أُكمل ثلاث دقائق حتى خُتم جوازي وأُعيد إليّ، ولم ألاحظ أن هناك تعطلاً في أي حالة، ربما باستثناء مناقشة بعض المسافرين لاستكمال دخولهم. ومن قاعة الحقائب بدت لي رحال أهلي في الخليج العربي، فالأسرة العربية الخليجية عنصر تدفق سياحي كبير، ورابطتها مع شعب البوسنة قوية وحميمية. أخذتُ الحقائب، وكنت قد قررت أن أستخدم سيارة (التكسي) الأجرة الرسمية للمطار، وبالفعل أخذني السائق إلى الفندق بالمبلغ المحدد، وهو 25 يورو، بهدوء ودون أي محاولة تضليل أو جدل. كنتُ قد حجزت في وسط المدينة، واتضح أنني قريب جداً من المكان الذي سكن فيه ولي عهد النمسا، والذي اغتيل بالقرب منه، وحينها اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، حيث كانت البوسنة مقاطعة تتبع للإمبراطورية النمساوية، بعد أن ضعفت الدولة العثمانية وفُرض تسليم إداري من الأستانة للبوسنة لصالح فيينا، انتهى باحتلال عسكري سياسي. وهنا تبدأ قصة أخرى وأنا أتنقل في المدينة القديمة. وفي زيارة مباشرة إلى فندقي، استضافني في جلسة مقهى جميلة الأخ والصديق العزيز د. محيي الدين مولايتش، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة سراييفو، ونائب رئيسها السابق. طُفنا بالحي القديم وذاكرة المكان العثمانية، في المساجد والأوقاف والمكتبات وماء السبيل. في ذلك الحي أروقة عديدة ومبانٍ تشير كلها إلى العهد العثماني، وقد أضاف الصديق المرشد أ. أردام شرحاً مفصلاً بعد ذلك.غير أنني استمعت من البوسنيين المسلمين، بما فيهم قادة جيش المقاومة، إلى أن تاريخ البوسنة وسراييفو، التي سماها الغرب القديم قدس الغرب، أو أورشليم أوروبا، له حكاية عميقة لا تبدأ بقصة الحصار ولا بحرب التحرير. فالبوشناق يرون أن عمق المدينة الحضاري أقدم من مقاومة سراييفو، وأن مقاومة البوسنة هي كفاح تاريخ لبقاء معلمهم الحضاري، مع حقهم الإسلامي. وهنا أُوقفتُ على معلم مُثبت على الطريق الذي يخترق وسط البلدة القديمة، وقد وُضع عليه سهمان، واحد إلى الشرق وواحد إلى الغرب، وأطلق عليه البوسنيون: ملتقى الحضارات. كان المعلم جميلاً جداً ومعبّراً، وعلى مقربة منه لفتت نظري برج ساعة تاريخية رائع، يضاهي منارات المساجد، مصمم بصورة متقنة. قال لي أردام: انظر إلى التوقيت، فإذا هو التوقيت الغروبي الإسلامي، الذي يُنظّم الحياة الزمنية للإنسان بغروب الشمس، ويُحرّك العقارب في اتجاه طبيعة الزمن الذي يمضي من حياة اليوم، وليس تثبيت ساعة مفترضة على زوال الشمس، قد لا توافق الزوال ولا توافق منتصف الليل، وإنما مجرد رقم. هذه الساعة كانت في القسم الشرقي، أما القسم الغربي فهو العهد النمساوي. وأول رسالة لفيينا للبوشناق المسلمين كانت عدم المساس بحضارة العثمانيين، ذات الرابطة الخاصة لمسلمي البوسنة، وبالتالي بُنيت البلدة الجديدة في المدينة القديمة، في ذلك الزمن، أي ما بعد 1878، متصلة بالقسم العثماني، لكي تقول فيينا في ذلك الوقت: نحن نبني على تاريخكم ولا نهدمه. وهذه قضية مهمة جداً، مرتبطة بتاريخ البوسنة وواقعها السياسي الصعب، الذي آلت إليه ظروف حرب الإبادة عام 1994، من خلال تعاقب هذه الحقب التاريخية. لدى البوشناق إعادة توثيق حديثة لهذا التاريخ، وهو الذي تزامن مع صدمة الانسحاب العثماني، والحزن الشديد الذي شعر به مسلمو البوسنة، وهي حالة تكررت في انهيارات الدولة العثمانية، والاستيلاء الذي تم على أقاليم مسلمة، بعد الزحف الأوروبي المتعدد، الذي ساهمت فيه أمراض وخلل سياسي وقيمي عاشته الدولة العثمانية، فأضعف ممانعتها.استولت امبراطورية النمسا على البوسنة في هذا الظرف، لكنها كانت تخشى من العدو الأكبر، وهو روسيا الأرثوذكسية، والقومية الصربية الحليفة لها، وبالتالي فتحت باباً مختلفاً للمسلمين، ولو كان ذلك لسبب مصلحي صرف، أو لكون الأرثوذكسية القومية هي الخطر الداهم، فيما كانت هناك مساحة ممكنة للتعايش والتعاون مع مسلمي البوسنة. في تلك اللحظة كان انسحاب الأستانة نهائياً. ورغم رسائل فيينا الإيجابية، إلا أن هذا التقييم البوسني يرى أنه لم تُستثمر هذه الفرصة، وأن مقدمة الكارثة الكبرى حلّت على مسلمي البوسنة بفتوى بعض علماء الأستانة بوجوب الهجرة، كون البوسنة أضحت تحت السيادة المسيحية الأوروبية. هذه الفتوى رآها علي عزت بيغوفيتش إحدى مقدمات الحصار الصربي، حيث قال إن البوسنة فُرغّت من المسلمين، ولم يبقَ فيها إلا قلة قليلة، خاصة أن من هاجر كان من علماء وتجار البوسنة، بل ومن نخبتهم. وهنا فُتح الباب لتمدد الصرب تحت رعاية روسيا، والذي انتهى باغتيال ولي عهد النمسا، الذي لم يكن في صالح مسلمي البوسنة. ولنا عودة إلى هذا الدرس المهم من حكاية سراييفو.