الخيرُ والشر.. ثنائية القُدرة والتشريع

مهنا الحبيل

عرضنا في السابق، مسألة الرزق في الحياة البشرية، وحررنا الرؤية الإسلامية عنها، في معرض الفارق بين الفلسفة الأخلاقية العلمانية والفلسفة الأخلاقية الإسلامية، وكلا الفلسفتين تؤمن بمظلمة الإنسان المعاصر، غير أن قاعدة التصور لقدرية الرزق، في خزائن الدنيا باطناً وظاهراً، واضحةُ المعنى والدلالة في الفلسفة الإسلامية، مبهمة في الفلسفة العلمانية. هنا نواصل الجواب على مسؤولية الفرد في التشريع، فهناك قدَرٌ في العالم للحصول على الرزق، وهناك تشريع لإدانة من يمنعه، لا عن البشر فقط، ولكن عن بقيّة الخلق، لكل ذات كبد، فضلاً عن أن سُقيا الزرع، هو أيضاً ضمن نطاق البعد الأخلاقي الإسلامي للبيئة، فالإسلام هنا ليس صديقاُ للبيئة وحسب، بل راعياً مدافعاً عنها، متعبدٌ بنمائها وثمرها.نستحضر هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (عُذّبت امرأة في هرّة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار؛ لا هي أطعمتها، ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) في سياق قوله صلى عليه وسلم، عُذبت امرأة، هنا دلالة على أنها امرأة مؤمنة بالله من اهل الكتب السماوية، وبالتالي العقاب لا يقف عند الإيمان من عدمه، ولكنه أداة تحذير عُليا، للعلاقة الأخلاقية في الحياة الإنسانية، فإذ كان هذا الحديث، يتحدث عن تجريم قوي في عملية التجويع لقطة، فكيف في حقوق الناس والبشر.وفي الحديث الصحيح الآخر قال صلى الله عليه وسلم: بينما كلب يُطيّف بركيّة كاد يقتله العطش، إذ رأته بغيٌ من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته فغُفر لها به.الركيّة هنا البئر الذي لا يوجد له معبر ماء دون أن يُغرف منه، أي كأنهُ مُسيجّ فلم يستطع الكلب أن يصل للماء، فلا يوجد بِركةٌ صغيرة، يتدفق فيها الماء منه، فلا بد من غرف الماء من أسفل، والموق تلبسه المرأة فوق الخف، هكذا ورد في شرح هذه المصطلحات، المهم هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم، ثبّت أن المرأة هنا عاصية تمارس العلاقات غير المشروعة مع الرجال، عن عمد، وأن رحمتها بالكلب وجلب الماء له، قبل أن يدركه الموت، كان سبباً في رحمتها ومغفرة الله لها.أنظر هنا تلك المرأة (المؤمنة) في سياق العذاب لمعصيتها، في تعذيب الهرة، فيقام القصاص عليهم لأجل هرة حتى لو كانت من أمم المؤمنين، وحتى لو كان مطلق امرأة فتعيين النبي صلى الله عليه وسلم لوصفها، مع وجود حديث آخر لرجل دخل الجنة لكلب سقاه أيضاً، فإن هذا المعنى يعطيك شرحاُ للسلوك الكوني الذي رعته الشريعة الإسلامية، للعدالة بين البشر والحيوان، وندب الله لها، أياً كانت حالهم الدينية، وقس على ذالك مدارات الرحمة المتعددة، التي شددت عليها الشريعة. هنا تأكيد على أن وقوع الظلم في العالم سمحت به القدرة الإلهية، ولكنها لم ترضه شريعة بين الخلق، لماذا؟لأنه لا معنى لاختبار الناس وابتلائهم، دون أن تكون لديهم مساحتين بين نجدي الخير والشر، فالرواية القرآنية عن الوجود والشريعة متماسكة، ومحالة إلى تشريع رحمة مقدسة من الخالق، لكنها مبهمة المصدر في الفلسفة العلمانية، محالة على تقدير الأخلاق في كل عالم يتطور، وبالتالي تضعف قدرات الفلسفة الأخلاقية أمام التجريف المادي للمبادئ ذاتها. الذي يتسلسل عنده تبرير علّة الأخلاق، حتى تعود لمصلحة الفرد، من هو هذا الفرد وما هي معتقداته وأين تتصارع مصالحه مع مصالح الآخرين؟ هنا يحدث الانقسام والتشظي حتى تفقد القيم معناها الإنساني!نشير هنا إلى آيات قرآنية عديدة في تجريم الظلم، وهو المنبوذ الأكبر في النص القرآني، ولذلك كان انحراف العبد المخلوق المتساوي مع بقية الخلق، وعبادته لغير الله هو ظلم ضد الأخلاق، وإخلال بمبدأ الحرية الكونية التي يقوم عليها تساوي الناس. والحقيقة بأن الإلحاد المطلق حتى دون عبادة لمعبود غير الله، هو إغراق جاهل في تصنيم النفس لتكون رباً للذات البشرية، وعليه يقع منها الظلم وتعيش في أزمة نفسية، أو في إخلال أخلاقي في سلوكها العام، ورغم أن بعض من يُلحد لا يؤذي الخلق، ولله تقدير عمله في الدار الآخرة، وفي عذره في ثبات البلاغ لهُ من عدمه، كما يشير الى ذالك بعض علمائنا.إلا أن هناك جرائم كبرى وإبادات عظمى، كان مصدرها عبادة الذات أو الإلحاد العدمي، منذ فرعون طاغية مصر، حتى مذابح الشيوعية المعاصرة وما بعدها، إذن هنا تجلي البيان الإلهي للرحمة والعدل، محاطٌ بقاعدة تحاكم قوية وقيمية بين البشر، مصدرها الله الخالق الرحيم، ومتعبدة الذات البشرية فيها، وهو مالا يوجد في الفلسفة الأخلاقية العلمانية.