Categories: مقالات

الصراع الإسرائيلي الإيراني في الميزان الفكري

الصراع الإسرائيلي الإيراني في الميزان الفكري

مهنا الحبيل

كأساسيات ننطلق منها في مبادئنا الأخلاقية والعقدية أحتاج إلى التوضيح في معنى دلالة المصطلح بين المشروع والجزء القومي من الشرق المسلم.

فالجمهورية الإيرانية، قبل وبعد قيام النظام الطائفي في الثورة الاجتماعية التي قادها واستثمر فيها الزعيم الديني آية الله الخميني، وحصد جهود كل حركات الغضب الاقتصادي والاجتماعي والثقافي المنتفضة على منظومة الشاه الموالية للمركزية الغربية بالمطلق، وصاحب الحلف النوعي مع الكيان الصهيوني؛ هذه الجمهورية في الأصل جزءٌ من منظومة الشرق المسلم.

فلسنا هنا، حين نتحدث عن مشروعها التوسعي مقابل مشروع التدمير الصهيوني، نعزلها في التصنيف الأممي.ونحن اليوم في إقليم الخليج العربي الكبير نُدفع من جديد إلى مواجهة حرب عسكرية بين الطرفين، أضاف لها دخول البيت الأبيض الأمريكي بفريقه الصهيوني بُعدًا متطرفًا آخر.

وحتى الآن استطاعت دول المنطقة، أو بعضها، المرابطة خارج الانجرار إلى هذه الحرب الخطرة، والتي يدفع رئيس الحكومة الصهيونية، وأحد أبرز القادة الإرهابيين في العالم الحديث، إلى تدويلها، وخاصة في دفع البيت الخليجي إلى أتونها المدمرة. نعاني من كلا الجبهتين.

والحديث هنا لا يبرر منظومة الخطايا الكبرى لدول المنطقة في سياساتها التي اعتمدت على الحليف الغربي، ولا في صراعاتها التي أضعفت منظومة مجلس التعاون الخليجي داخليًا، مع أهمية الفرز الدقيق بين اندفاع أعضاء منه في متطلبات المشروع الصهيوني عبر البيت الإبراهيمي أو خارجه، وبين اليقظة الأخيرة التي تعيشها الرياض ودول أخرى لمواجهة المشروع الصهيوني في المنطقة.

وإن كان ارتداد التوريط لن يسلم منه أي طرف تجاوب مع تمكين القوة الصهيونية في المنطقة، التي بلغت ذروتها في مذبح غزة، ثم أعلن حينها نتنياهو أهمية قيام مشروع صهيون الكبير، والذي دافع عنه رسميًا السفير الأمريكي الصهيوني مايك هاكابي في تل أبيب، وأقر بأن مطالب نتنياهو، ومنها فصل الشمال السعودي لتهجير أبناء غزة وضحايا الهولوكوست الفلسطينيين، يندرج ضمن مشروعية الأرض الكبرى لليهود المحتلين.

لاحظ هنا أن من يعلن ذلك هو السفير الأمريكي في الكيان، وهو ما يعيد التذكير بأن فريق ترامب ولجنة غزة (الأمريكية) المعروفة بميولها الصهيونية ليست بعيدة عن هذه الروح التي صرح بها السفير الأحمق، وكان على العرب الاستفادة من وقاحته.

إذن، ونحن نعرض لهذا التشريح الدقيق في الدمج بين المركزية الغربية والكيان الصهيوني، لم نغفل حقائقها الكبرى، لكن هذا الأمر ليس كل الحكاية في قصة الصراع في المنطقة. هل كان صراعًا محضًا، أم إنه حمل مساحة ضخمة من التقاطعات المصلحية لكلا المحورين في طهران وتل أبيب، وكانت المنطقة تنزف منهما حتى وصلت إلى هذا القاع؟

لقد صدر لي عام 2013 كتاب بعنوان «النزاع الدولي الإقليمي في الخليج العربي: صراع أم تقاطع؟»، وكان هناك اهتمام مبكر لي في مجمل تطورات تلك الصراعات ثم التقاطعات التي تلتها

فأزمة السفارة الأمريكية في طهران، واشتباكات ناقلات النفط والموقف المعلن للغرب من إنشاء طهران فروعًا حزبية بقوى بشرية في المنطقة، لم يمنع صفقات التعاون الكبرى التي شملت محطات ضخمة عززت ضعف المشرق العربي. وأهم قضية في تقديري هي تمكين الولاء المذهبي في الضمير العربي سياسيًا واجتماعيًا، وصناعة شعور انعزالي لدى تلك المجموعات الشبابية الضخمة التي هاجرت إلى قم وأقامت فترات تضمن دمجها عقديًا في مذهب ولي الفقيه، الذي مثل المشروع السياسي منذ آية الله الخميني حتى المرشد الأخير علي خامنئي الذي اغتيل في الحرب الأخيرة.

نحن هنا لا نتحدث عن علاقة السنة والشيعة، وإن وجدت صراعات مؤسفة وحروب في العهد الصفوي وانشقاقات مدمرة للشرق. وبعض هذه الصراعات فتكت بالداخل السني من ذاته، ومن بعض قوى التكفير لبقية العالم السني، وقد برزت بعض هذه الأجنحة من داخل محاضن سنية راديكالية. فالحالة السنية أيضًا عانت من قوى التطرف المسلح وغيره.

لكن علاقات المجتمعات ظلت هادئة، وكانت هناك فرص فكرية مشتركة، حتى مع ضعف الفكر الإصلاحي التنويري في الحالة الشيعية بسبب تطرف النزعات المذهبية وإغراقها في الخرافة عند بعض الأوساط المرتبطة بالصعود الإيراني، أو بسبب قمع الحكومات السنية القديم.

ولذلك فإن تلك المحاولات، وحتى إرثها في مشروع علي شريعتي، أو ثقافة محمد مصدق الوزير الإيراني الثوري الذي التقى فكريًا مع الوزير السعودي عبد الله الطريقي لنزع هيمنة الغرب على السيادة الاستعمارية على ثروات الدول من النفط.

وحتى مع وجود اتجاهات مذهبية إصلاحية كالسيد محمد حسين فضل الله في لبنان، وكالشيخ حسين الراضي في الأحساء وغيرهم، لكن تم حصار هذه الأفكار من قبل النظام السياسي للثورة الإيرانية نفسها، ومن قبل حكومات المنطقة، حتى يبقى استثمار الصراع المذهبي أو البناء العقائدي الولائي الذي انتزعت عبره طهران الولاء القومي الوطني أو الأممي من كوادر أحزابها، فانتقلت روحهم من المشرق العربي إلى جمهورية قم وشروطها السياسية والمذهبية.ونحن هنا لا نتحدث عن هياكل تصورات ومشاعر، بل أحداث ووقائع وبرامج أطلقتها الثورة الإيرانية مبكرًا وأعلنت تبنيها. ومن نُدب إليها وأقام في قم ليس لطلب العلم الشيعي الذاتي فقط، فهذا مفهوم، ولكن للتدرج في صعود الفرد الشيعي من طالب علم إلى كادر ولائي عقدي وسياسي تُحدد له المرجعية السياسية عقيدته الفكرية وواجباته السياسية. والذي يشكك في حصيلة هذا المشروع يشكك في عقله المجرد، فنحن أمام سيل من الاستثمار في هذه الولائيات ونعيش واقع تجربتها من العراق إلى اليمن.

غير أن هذا البناء الأيديولوجي الواسع، الذي رُفد بحركة تبشير ضخمة في الأوساط السنية تحديدًا بتمويل ضخم من الدولة الإيرانية في أفريقيا السمراء وفي شمالها، وفي شرق آسيا وفي مناطق أخرى، وفي تحفيز حالات التشدد الراديكالي الشيعي في باكستان والهند، والتي لا تبرّئ أطرافًا سنية راديكالية تلاعبت بها أحيانًا أجهزة المخابرات فصنعت نماذج غلو وبعضها مسلح؛ لكن الاستقطاب المذهبي الإيراني ظل يخلق لدينا بؤرًا متعددة استثمرت فيها المركزية الغربية وحليفها الصهيوني وقوى محلية استبدادية من المحيط إلى الخليج، فغطت قضايا الفتنة المذهبية الإيرانية العالم المسلم من جاكرتا إلى طنجة.هذه الأرضية المذهبية المعقدة قطعت جهود التقارب الفكري، ولا أقول العقدي، بين السنة والشيعة، لأن هناك مدارات أصول ضخمة بينهما لا يمكن أن تتحد في الموقف العقدي من الصدر الأول ومن مصدر التشريع السني ذاته: الكتاب والسنة.

وقد أحيت العداء له وطورته الثورة الإيرانية وصولًا إلى تمكين الخرافة المرتبطة بالكراهية العقدية.

وهناك تطرف سني آخر أيضًا، لكن دحرجة المشروع الإيراني سياسيًا ظلت تستفز العالم السني.ولإنصاف الإمام يوسف القرضاوي رحمه الله، حين أعلن يأسه من التقريب الفكري، فإن هذا التوجه لديه لم يبرز إلا بعد جهود مضنية كانت طهران تبعثرها بعد كل دورة ببرامج عملية سياسية وفكرية وعسكرية ضد العالم السني.

وإن كنا نعتقد أن مدار التقارب الفكري والمشترك الأخلاقي في الرسالة، ومصالح الاجتماع والتحالف لحماية القيم، ومدارات الحوار الحضاري المسلم مع الطرف الآخر، وغلق الأبواب عن استثمارات المركزية الغربية والصهيونية المدمرة في داخل أوطان المسلمين، لا تزال مفاهيم فريضة مشروعة مهمة ويمكن أن يُبشر بها؛ غير أن النظام السياسي الإيراني والأنظمة المستبدة في الوطن العربي لم تدع فرصًا لقيام حوار فكري حقيقي مستقل.

لقد تحول الصعود الإيراني بعد دورات الاشتباك المذهبي إلى مشاريع سياسية تنفيذية مشتركة مع الغرب. فلقد تشكل في لندن البيت الشيعي العراقي الذي قاد هيكلته وتسويقه في الغرب المعارض الشيعي الليبرالي أحمد الجلبي برعاية مباشرة من المخابرات الأمريكية، وكان التنسيق قويًا مع الفصائل التي بنتها أو رعتها الثورة الإيرانية، التي استبقت المشروع الأمريكي في العراق عام 2003 ببناء هيكل سياسي عقدي مسلح في حزب الدعوة وغيره.

هاجموا العراق مبكرًا، ثم دُمجت هذه المنظومة في مشروع احتلال وتدمير العراق وسحق المقاومة العراقية وإبادة محاضنها، الذي مهد له من قبل الأمريكيون في استثمارهم لحماقة غزو الكويت عام 1990، فاختطفوا تلك اللحظة وظلت المركزية الغربية تحلب فيها حتى اليوم.

لقد كان الموقف الإستراتيجي الصهيوني حاضرًا بقوة في غزو العراق، وفي الالتحام الميداني والسياسي مع نظام الثورة الإيرانية. ولا يعني ذلك بالضرورة تحالفًا دينيًا بين مناوئين للعالم السني، ولكنه كان فرصة استثمارية توسعية للطرفين.

إن جولة اليوم العنيفة هي لإعادة تنظيم المربع الجغرافي في المنطقة، وعلو اليد الصهيونية التي كانت تعلم أن طهران ظلت تراهن على مكاسبها بين النزاع والتقاطع وكسب الغنائم. خاصة أنها لا تزال تملك قرار التأثير في حكم العراق، ولم يعد ذلك مسموحًا به في استراتيجية المركزية الغربية والمنظومة الصهيونية.

ماذا عن الطرف الآخر في دول الخليج العربي، بل والشرق المسلم؟ هل من صالحه حسم السقف الصهيوني ضد إيران؟قبل ذلك أقول إن كل دم بريء أُريق من المدنيين من أبناء الشعب الإيراني هو جريمة ليست مستغربة على الصهاينة والانحطاط الأمريكي الذي تصدر طليعة الإرهاب في العالم. فنحن نتألم لهذا النزف في جسد الأبرياء، وخصوصًا أطفالهم.

أما البعد الإستراتيجي الذي لا شك فيه فهو أن دول الخليج العربي خاسر كبير لو تم إعلان سيادة التوحش الصهيوني على المنطقة. ولذلك فنحن ندعو بقوة ونشدد على البقاء خارج هذه الحرب.إن السؤال الكبير: هل هناك مراجعات في عقل طهران لو وقفت الحرب تخرج بها من مشروعها التوسعي الطائفي وتخلق علاقة جوار ودية؟ وهل هناك تقديرات جديدة في دول الخليج العربي تراجع خطايا الاعتماد على المركزية الغربية وتعزز التحالف الإقليمي المشترك؟

* باحث عربي كندي مستقل – تورونتو

mohana63

Recent Posts

هل حررت أوروبا الإنسان المعذب؟

هل حررت أوروبا الإنسان المعذب؟ مهنا الحبيل لقد تناولنا في مقال سابق، توثيقات مهمة لتاريخ…

3 أسابيع ago

تاريخ العبودية الغربي

مهنا الحبيل لقد غاب الحراك الفكري والتشريعي الفلسفي، الناقد لعبودية الكولونيالية الحديثة في المستعمرات، في…

3 أسابيع ago

العبودية بين رؤيتين

مهنا الحبيل في تحريرنا للرؤية العالمية البديل التي تقدمها الفلسفة الإسلامية يُطرح سؤال كبير ومهم،…

3 أسابيع ago

الحوار الفكري في مؤتمر كندا الإسلامي

مهنا الحبيل لقد وقفنا في المقال السابق على سؤال الروح في مؤتمر الكندي RIS، وان…

3 أسابيع ago

إحياء الروح الإسلامية في الغرب

مهنا الحبيل إحياء الروح الإسلامية في الغرب مهنا الحبيل في حديثنا السابق عن مؤتمر مسلمي…

3 أسابيع ago

رحلة في المؤتمر القومي لمسلمي كندا (RIS)

رحلة في المؤتمر القومي لمسلمي كندا مهنا الحبيل كان من أول ما يأخذني بين قراءة…

شهرين ago