الصراع الغربي الاجتماعي ومستقبل اوروبا
مهنا الحبيل
وانت تطوف بمتاحف أوروبا والرحلة من الحرب الى التنوير يعود لك السؤال، أين يقف مسلمي الغرب اليوم ما بين التاريخ والمستجد السياسي، الذي سميناه سابقاً الانقلاب الاجتماعي، أين هو العقل المسلم المعاصر من وعي التاريخ وفهم تجارب الأمم ومآلاتها، ثم واقع الصراع الغربي-الغربي، هل هو صراع حقيقي، هل له جذور في التاريخ، هل يمكن أن يعود، ويسقط السلم الأهلي العام في أوروبا؟
يبدو الأمر بعيداً في الوهلة الأولى، وحتى فُرص استعادة العملية السياسية من طغيان اليمين المتطرف، ممكن جداً وهناك شواهد عليها، وأنها قد تكون دورة حكم ثم تنتهي بردة فعل شرسة لصالح اليسار (المعتدل)، هذا خيار مطروح، لكن ليس بالضرورة أن يكون المآل الوحيد، ولا يوجد في التاريخ ما يضمن هذا الثبات والتطور لمشروع الإتحاد الأوربي ذاته، الم تخرج بريطانيا (العظمى) منه!
فلننظر الى الناحية الأخرى من الغرب، حيث جاء هجوم ترمب على الدول الأوربية في قضية اوكرانيا، ودفع كييف الى سوق المصالح دون أي مقدمات، ثم تهديد شركائه الأوربيين في الناتو بتحجيم مشاركة واشنطن في الدفاع عنهم، إلا بمقابل مادي، في ذات التوقيت الذي طرد فيه زيلينسكي من البيت الأبيض، قبل أن يسمح له بالعودة للتفاوض بعد الخضوع التام، ومع كل هذه التوجهات، تجد بالمقابل صداً ارتدادياً لروح أفكار ترمب وليس لمشاريعه بالضرورة، في أحزاب اليمين المتطرف الزاحفة للحكم في أوروبا ذاتها.
تربطني هذه الصورة بأول محطة في بروكسل، في المتحف الذي أقيم في واترلو، عند جثامين جيش نابليون، في آخر حرب قومية خاضها الحلفاء في الصراع الأوربي الداخلي، المثقل بالمجازر، فمن هو الغرب الذي يتعامل معه مسلميه اليوم، وكيف تُرسم رؤية التفكير الإستراتيجي فيه لمواطنة تحمي حقوقهم، وتدمجهم في الخيرية الاجتماعية، لصالح المشترك الإنساني، وتبني لهم مساراً يخترق قرار العزل الشرس الذي يُخطّط له المتطرفون.
هل المسلمون في الغرب هم الخطر الداهم، أم أن الصراع الغربي-الغربي ذاته خطر قائم، ألم يُبعثر ترمب أمن أوروبا أمام روسيا، في توقيت دقيق حين القى بكييف الى الصحراء عاريةً، ليفرض مشروعه السياسي في وقف الحرب، الذي يقوم على حصيلة خزينة أمريكا أولاً، قبل أي ملف آخر أكان للناتو أم غيرهم، حتى أن الرعب الذي وصل للعديد من الدول في العالم الجنوبي، بات يفكر بجدية بتهيئة (الجزية) التي يجب أن يقدمها للرجل البرتقالي ليبقى في عالمه، قبل أن تسحقه أمريكا العظيمة.
وقعت معركة واترلو في 1815، اتحدت فيها عدة دول غربية، وكانت أمم منفصلة في عدة ممالك، بقيادة إنجلترا وهولندا، لمواجهة فرنسا (العظيمة) الزاحفة لضم أوروبا تحت سيادتها، كانت أحلام نابليون جامحة في تلك اللحظة، ولم توقفه إلا هزيمة الحرب، وكُسر جيشه ودفن رفاة جنوده تحت التلة الكبيرة في واترلو.
ورغم أن المتحف يستدعي قصة انطلاق التنوير الغربي، ويضع مقابل المقصلة التي سادت في أوروبا مؤلفات الفلاسفة الغربيون، التي أُسست عليها نهضة أوروبا الحديثة، غير أن هذه القصة ليست دقيقة، فعام 1815 لم ينهي الصراع الغربي، ولكنه عاد في الحرب العالمية الأولى 1914 ثم 1939، تحت جموح الفوهرر هتلر، ابيد فيها عشرات الملايين من مواطني الدول الغربية، رغم أن عجلة التنوير يدون تاريخها 1740، ومع ذالك لم يقف الصراع، وكانت الفلسفة النازية شريكاً في الدفع لثقافة الصراع، أي أن الفلسفة وجدل التنوير، كان مشتبكاً بسؤال التقدم، والذي تحول الى أقانيم سياسية مهدت لحركة الحرب العالمية.
جدل التقدم الذي تواطأ عليه اركان مهمة في تاريخ الفلسفة الغربية، ومُيّزت شعوب أوروبا به، ليواجه العالم الجنوبي حروب إبادة قادها العهد الأوربي التنويري، ونموذج غزة هو ضمن سياقها، خرجت به اوروبا الى التحالف الأخير لشعوبها المتحدة، في سبيل صناعة حياة حقوقية وسياسية افضل للأجيال الجديدة، وبالفعل سادت قيم دستورية وحقوقية مهمة للإنسان الغربي.
غير أن عودة اليمين المتطرف، في نظريات مستنسخة من النازية السوداء، يعود اليوم من بوابات الديمقراطية ذاتها، فهل أزمة الغرب أزمة مهاجرين فروا من مآلات الحروب والأنظمة التي فرضتها عليهم مصالح التفوق للغرب (العظيم)، ام أنه أزمة ذاتٍ قومية نجحت في ادارك جانب من القانون الاجتماعي، لكنها تاهت فيه أخلاقياً؟
فأين السؤال العميق هنا وأين يرتد على خطاب المسلمين في كفاح المواطنة، وهل جواب الخوف القائم في كل ركن من الغرب عن حضور المسلمين، بسبب الهجرة، أم بسبب الفراغ الروحي والأخلاقي، فتندفع المجتمعات لقوميتها لتتصارع على المادة، التي كانت ولا تزال في عقل الغرب الحديث مرجع الإنسان.
فهل يملك مسلمي الغرب معادلة مختلفة؟
لماذا ندعو العالم لسيرة النبي؟ مهنا الحبيل ثمان سنوات تفصلنا عن اعداد الطبعة الأولى من…
في مفهوم الإسلام العالمي مهنا الحبيل هناك فارق دقيق بين التطور غير العاقل والمتناقض للعالم…
فقه العمران والشِرعةُ الدولية مهنا الحبيل لقد أسسنا في مقالات سابقة، بُنية النقد والنقض لواقع…
سياحة الفجر في إسطنبول مهنا الحبيل قررتُ تغيير الخطة في هذه الزيارة لإسطنبول، للفجر خصوصية…
مهنا الحبيل من مدينة أزمير ومعالمها حتى محيطها القريب، كانت هناك معالم سياحية متعددة، وخاصة…
السياحة والنظافة والحضارة مهنا الحبيل بدت لي أزمير محطة مهمة لبدأ الرحلة التركية البرية، كان…