العودة لأثينا

مهنا الحبيل

كانت شابة صغيرة تخرج علينا بالكرسي المتحرك بسبب اعاقتها، من المكتب الداخلي للاستقبال في الفندق فتلقي علينا التحية أنا وزوجتي، لا اذكر أنها تحسن الإنجليزية، التي كنتُ أحسن شيئاً منها في مقتبل العمر، غير أن موظف الاستقبال قال لي إنها ابنة مالك الفندق، واسمها كريستينا، سمعتُ الاسم، فانتبهت الى كرت العنوان والمعلومات، الذي كنا نصطحبه معنا عند كل خروج، فوقتها لم يكن هناك لا انترنت ولا هواتف جوالة ولا أي شيء من عالم التقية الأخيرة. كانت ذاكرة خاصة جميلة لي ولزوجتي، في هذه الرحلة اليونانية لأنها أتت بعد عام من الزواج، ولذالك منذ أن عدتُ إلى أثينا بعد 40 عاماً، قررتُ أن أبحث عن ذالك الفندق وكان اسمه فندق كريستينا، تفاعل معي مرافقي الشيخ شادي الأيوبي اللبناني اليوناني، الذي أكرمني باستقباله، وبتخصيص جزءً من وقته للحديث عن واقع المسلمين في اليونان، في مطلع جولة جديدة لي في أوروبا. استأنفُ بها اهتمامي القديم الحديث، في العلاقة الغربية الإسلامية بكل جوانبها، وخاصة أن هناك رابط مشترك في قضايا الوعي، وما اسميه التربية الفكرية لأجيالنا بين أمريكا الشمالية وبين أوروبا، والتحديات التي تجمعنا، في ثنائية الثبات على القيم الإسلامية، وتحقيق مفهوم مواطنة مختلف عن ضغوط القوى السياسية الخاضعة لعنصرية الاسلامفوبيا، الذي حددت يومه الأمم المتحدة كذاكرة عالمية، وبين العبور النهضوي الذي نحتاجه لصناعة فقه هذه المواطنة، في عالم اليوم، الذي يموج بالتحديات وبجنون السياسة وحروبها الدينية الرأسمالية. ولي عودة لمجالسي مع الشيخ النشط شادي الأيوبي، المتفاعل مع الحياة السياسية والاجتماعية في اليونان، ومع المسلمين وأطيافهم، وخاصة من خلال رحلته المهمة في منتدى التنمية في أثينا، لكنني اليوم اعود الى ادب الرحلات لأحكي لكم بعض انطباعات السائح في جانبي البيئة الاجتماعية والطبيعة، وفي المرجع الثقافي الذي ينظر له الكاتب بعين اهتمام خاص. هذه المرة وصلتُ أثينا في الشتاء وكانت مفاجأة جميلة، ورغم أننا استمتعنا برحلتنا القديمة، لكنها كانت صيفية، وأثينا حارة في الصيف، اليوم يقود أهلنا في الكويت وبعض السياح العرب، العودة الى اليونان سياحياً، لكن عبر الجزر، ومع اُنسي بالجزر لكنني لا أحب أن أقيم فيها طويلاً، فأنا أفضّل السياحة بكل جوانبها، بما فيها الازدحام الاجتماعي، والتعامل مع صخب الناس ومشاعرهم، ومحاولة الحوار معهم. ذالك الزمن القديم كانت أثينا القريبة من الشرق، من ابرز محطات السياحة، التي تستقطب الناس بكل مستوياتهم المادية، وكانت تكاليفها غير مرتفعة، مع خيارات أخرى للقادرين عليها. وكانت رحلات الجزر والرحلات البرية مكثفة فيها، غير أن الرحلات البرية، تقوم على استثمار كل موقع اثري وصخرة تاريخية، لليونان القديمة، فهي قبلة التاريخ الغربي، واحتفاليته الخاصة، التي فُرضت في السردية الفكرية على العالم المعاصر، ولنا فيها رأي آخر نبينه لاحقاً إن شاء الله، فلم نكن نأنس بتكثيف هذا النمط السياحي، وإن كان لها تناول ضرورة فكري، أما الجزر فقد كانت اليونان ذات شأن في الرحلات البحرية، حينها كان الحجز يقوم على الاتصال الهاتفي، من وكالات السفر والسياحة في المنطقة، بعد أن تتفق معهم، أو بحصولك على كروت (بطاقات العنوان للفنادق)، فتتوجه له من المطار إن حالفك الحظ ووجدت غرفة. وهذا ما فعلته فقد كان لدي كرت فندقي بعثه لي أحد أقاربي، حين علم أنني اخطط لرحلة سياحية لليونان، واثينا بالتحديد، وكان مفيداً جداً، كان فندق كريستينا، ذو 3 نجمات وكان نظيفاً ومرتباً، موقعه قريب من وسط المدينة، وهذا ما ركزت عليه في رحلة البحث الجديدة، للوصول الى مبنى الفندق، الذي لم نجده في البحث الالكتروني، فلم يعد الفندق قائماً كفندق فواصلنا التتبع بحسب الذاكرة العتيقة. ذالك الزمن كان وضع تركيا التي تستقطب الغالبية الكبرى من السياح العرب اليوم، أقل قصداً لأسباب أمنية وأخرى سياحية قبل، أن تقفز بها حكومة حزب العدالة وتتصدر المشهد، وبأسعار مغرية، وأنا شخصياً محطتي الرئيسية الدائمة فيها ولا تزال، غير أن دورات ارتفاع الأسعار المتكررة في تركيا، والتي يرى بعض كبار المسؤولين وغيرهم، بأن هذا القفز الجنوني المتكرر، ليس مرتبطاً فقط بفارق السعر مع الدولار، وتستطيع أنت شخصياً أن تدرك صحة هذه المعلومة، ولكنه نوع من الاستغلال كما أشار له الرئيس اردوغان في أحد خطاباته. لكن ورغم عدم توقف الزوار، وأنا منهم فقرار التردد على تركيا، ليس قراراً سياحياً عندي، لكنه يُظهر مشكلة عميقة تحتاج الى حل مركزي، لصالح اشقائنا مواطني تركيا، ولصالح السياح. أما العودة الى أثينا وقصة (الكربوزي) في شوارعها، وهو مصطلح مشترك بين تركيا واليونان، والبحث عن فندقنا القديم فلنا عودة له بعون الله.