Categories: مواد فكرية

العودة للتراث في الرؤية الكونية

العودة للتراث في الرؤية الكونية

 مهنا الحبيل  

لقد قدمنا في مقالات سابقة منهجية نقدٍ محكمة، معتمدة على أمثلة كبرى من التراث الإسلامي، ومن أبرز كتبه، تساعد الوعي المعرفي والقلم الفكري، الذي يقوم بهذه المهمة الخاصة، في تحرير الرؤية الكونية البديل لهذا العالم، والتي تعتمد على مركزية النظر للعقل المعرفي في هذا الوجود، ومركزية الأخلاق في الفلسفة الإسلامية. المبنية في الأصل على يقين ثنائية الوجود، وجود الإله بلا زمن ولا حد ولا جغرافيا يحد حدودها العقل البشري، وانفصال قدرات البشر عن الإحاطة بذات الله العُليا، في تزامنٍ مع ذات اليقين الذي تجد النفس البشرية فيه دلائل الخالق وشهوده، وتتعامل به كل المكونات في وجوده واستشعار تدبيره، وحركة الضمير اللا إرادي نحو الخالق الموجد المدبر، من ميلاد الجنين حتى لحظات النزع الأخير.   

   ثم تطابق معادلة حياة الإله الأزلية، التي تُسقط نظرية موت الإله، في جوهر فلسفة الحداثة الأخير، وكل المحرمات المحاربة للذات الإنسانية والفطرة، التي أسست عليها الحداثة، وحتى بعض المذاهب الغربية الأولى، من قبل نيتشة ومن بعده. 

وأبرزنا هنا الفارق العلمي والأخلاقي والتفسيري، في مقارنة تلك الحتميات المزعومة، مع تاريخ النبوات والمشترك المقدس بينهم، في صحة ما نقل عنهم، وأخلاقياته العليا لمستقبل البشرية، هذا الأساس المعرفي القوي المفترق عن نظريات العقل التجريبي والعقل العملي، هو قاعدة التأسيس الذي حررناها من قبل في العقل المعرفي لكن ما علاقة ذالك بالتراث ونقده؟   

   إن التجارب التاريخية للأمم التي اعتمدت على حياة الإله ومراقبته واطلاعه، وتأسيس بنية المجتمع عليه، تمثل حالة مختلفة مع بنية العالم الحديث، غير أن المدار المؤسس للحوكمة الفلسفية في صحة المرجع المهم للتراث التاريخي للأمم، يقوم على معطيين:

الأول نقاء الإيمان بالإله ووحدانيته، وحقيقة التصور عنه، ثم صحة النقل ودقة تطبيق الاستدلال الذي يمثل ما قصدَت إليه شريعة الإله، هذا في التفاعل التاريخي العام، أما في خصوصية التراث الإسلامي، وما دوّن أو ما مورس في التجارب الذاتية للأمم التي آمنت بالرسالة، فهو يستدعي عند المسلمين إرثاً ضخماً يعجز الإحصاء عنه.    

  فهنا نبين رؤيتنا في منهجية التعامل الرشيد مع التراث، وبالخصوص في تأصيل الرؤية الكونية وما بعدها من نُظم، ذات علاقة مباشرة، في حياة الشعوب ومنظومتي القسط والأخلاق، بين المجتمعات المسلمة، أو حتى المتأثرة بحضور الشريعة الإسلامية في مجتمعاتها.   

   وهنا يحضرني قصة الأسبان الأندلسيون المسيحيون، التي تجسدت في فكر بلاس إنفانتي، وهي روح أخلاقية اجتماعية وُلدت في وسط المجتمعات المسيحية الوريث للعهد الإفرنجي الصليبي، الذي نفذ مجازر وحشية هي من أكبر مذابح التاريخ، كان ضحيتها مسلمي الاندلس في محاكم التفتيش وغيرها.   

   ولكن إرث القيم الروحية والأخلاقية لمسلمي الاندلس استمر ظله في الأرض الجديدة، ورغم حجم التنكيل الضخم والشرس، عادت تلك الروح لتخاطب الضمير المجتمعي، وتعيد تقييم الوجدان لأسبانيا الحديثة، بين بعث الأندلس القديم، وبين غزو الحداثة الأوربية الأخير، وبالتالي بقيَت حركة العودة لهذا الجذور حتى اليوم، واستأنفت رحلتها في فكر إميليو فيرين وكتابه (عندما كنا عرباً) وآثار هذا البعث الممتد الى مدريد وليس إقليم الأندلس فقط!     

فما الذي حرك هذه المراجعات وأين مصالح الإنسان المسيحي فيها، وما علاقتها بسؤال التراث الكبير وبعثها الكوني الجديد؟      إنه يعيد التأكيد أن المكتبة الإنسانية الضخم، التي سُطّرت بالحرف العربي وغيره للمسلمين، وبالسلوك الأخلاقي وبالروح العمرانية، وبتفسير هذه الحياة وعلاقتها مع البيئة، ومع الشريك الإنساني، وقبل ذالك عمق النصوص الموثقة عن الوحيين، ومركزية الكليات القرآنية، هي مشروع إرشادٍ معطّل تحتاجه اليوم بل تظمأ إليه الأسرة الكونية، وأن إعادة بعث صيدليتها في معاصرة أخلاقية جديدة، هو أحد وسائط الترياق الذي يبحث عنه العالم الذي حطمته الحداثة.  

    لكن السؤال الكبير، هو: ما هو الخط العملي المفقود لإعادة بعث التراث الإيجابي في مدونات المسلمين الضخمة، وفي فهم تجاربهم الاجتماعية المتعددة في اصقاع العالم، إنه ورشة التجريد المركزي للتراث الإسلامي.   

   إن هذا المشروع يحتاج إلى رؤية مركزية جامعة، حتى لو تعددت فروعه، او في اجتهادات القائمين عليه، ففقه الحضارة الإنساني الجامع، الذي قامت عليه معادلة أيها الناس في القرآن الكريم، يفرز منظومة الفطرة والقسط المنظمة للحياة الطيبة والعدالة الاجتماعية. 

وهذا يحتاج منظومة من طلبة العلم والباحثين الشرعيين والفكريين لسبكه في موسوعة ناظمة لفقه الحضارة الإسلامية بين الذات والبيئة والمكان، إنه المشروع الفارق الذي يخرج المسلمين من دائرة الوعظ في التاريخ، إلى فقه المقارنة في التنفيذ، بين عالم حداثي مصمت، وبين روح إسلامية عمرانية موحدة المرجع واضحة الرؤية، وفي ذات الوقت تعددية في جسورها بل واندماجها الإنساني، من جنوب افريقيا إلى آخر نقطة في العالم الشمالي. 

mohana63

Recent Posts

لماذا ندعو العالم لسيرة النبي؟

لماذا ندعو العالم لسيرة النبي؟ مهنا الحبيل ثمان سنوات تفصلنا عن اعداد الطبعة الأولى من…

5 أيام ago

في مفهوم الإسلام العالمي

في مفهوم الإسلام العالمي مهنا الحبيل هناك فارق دقيق بين التطور غير العاقل والمتناقض للعالم…

5 أيام ago

فقه العمران والشِرعة الدولية

فقه العمران والشِرعةُ الدولية مهنا الحبيل لقد أسسنا في مقالات سابقة، بُنية النقد والنقض لواقع…

5 أيام ago

سياحة الفجر في إسطنبول

سياحة الفجر في إسطنبول مهنا الحبيل قررتُ تغيير الخطة في هذه الزيارة لإسطنبول، للفجر خصوصية…

5 أيام ago

بيت السيدة العذراء في تركيا

مهنا الحبيل من مدينة أزمير ومعالمها حتى محيطها القريب، كانت هناك معالم سياحية متعددة، وخاصة…

5 أيام ago

السياحة والنظافة والحضارة

السياحة والنظافة والحضارة مهنا الحبيل بدت لي أزمير محطة مهمة لبدأ الرحلة التركية البرية، كان…

شهر واحد ago