المسلمون في اليونان
مهنا الحبيل
خلال الجولة مع الشيخ شادي رنّ هاتفه أكثر من مرة، كان هناك طلب لعقد اجتماع عاجل، يبحث فيه الأئمة قرار الحكومة اليونانية اغلاق المصليات غير المرخصة، مفهوم القرار كما أوضح لي الشيخ أن هناك مراكز لم تؤسس كدور عبادة، تقام فيها الصلوات، وأن بعض السلوكيات التي ضايقت أهل الحيّ أو التوسعات، تؤثر على مساحة التغاضي للمسؤولين اليونانيين، وهنا أطرح الموضوع الذي أشار له عنوان المقال، في سياق أدب الرحلات، وليس كعرض تفصيلي لواقع المسلمين في اليونان. ووفقاً لهذا التوضيح، فإنك تفهم أن هناك مساجد مرخصة، كالتي صَليتُ فيها، وهذا تطور إيجابي منذ معرفتي القديمة بأثينا، غير أن مجمل الصعود اليميني في اليونان يُضيّق حقوقياً على المسلمين، أو يُعقّد بعض مساراتهم الوطنية، أو يؤخر استحقاق الجنسية، وصعود الحالة اليمينية في الغرب، ظاهرة عامة. في أثينا هناك ذاكرة عربية خاصة، لتحالف المنظومة اليسارية، التي كانت سائدة في اليونان، مع القضية الفلسطينية، ورغم أن اليسار لا يزال حاضراً في المعترك السياسي، حتى أننا مررنا على مبنى حكومي، اقتحمه النشطاء اليساريون، وهو وحدات سكنية، بحجة أن الفساد الحكومي منعهم من حق الإقامة فيه، غير أن اليسار اليوناني ضعيف بالجملة اليوم. ولقد جرت خلال العهد اليساري القديم، تصفيات دموية في أثينا بين المخابرات الصهيونية، وبين الثوار الفلسطينيين، الذين ردوا على عمليات الاغتيال الممنهجة من الموساد، في هذه الزيارة كان مما يفسد على المرأ متعته، حضور السياح الإسرائيليين ولا أقول اليهود، فقضيتنا مع المعتدين أكان مجنداً، أم كان مجتمعاً استيطانياً مسلحاً. وقد رأى العالم كيف يشارك المجتمع الاستيطاني المسلح، حكومة الإرهابي الصهيوني نتنياهو جريمته، في إبادة الشعب الفلسطيني في غزة، ولفت نظري كثرة المعلقين الغربيين على هذه الظاهرة، وخاصة في استهداف أطفال غزة، هذا المسار الفلسطيني هو أحد مسارات العلاقات العربية باليونان. في حالة المجتمع المدني المسلم، فإن اهتمامهم يقوم على احتياجات الجالية الرئيسية، من حيث البعد الحقوقي والقانوني والقيمي، ولذالك يغطي منتدى التنمية الذي يرأسه الشيخ شادي دوراً متعددا، في التعليم والثقافة ورعاية الأجيال والأنشطة الفكرية، وتعزيز القيم الروحية للمسلمين في اليونان، حيث استمعتُ من الشيخ شادي قصة عمل بانورامي جميل، والمراكز الإسلامية المتخصصة نادرة في اليونان، من حيث قدراتها الفكرية وإمكانياتها المؤسسية، ولذالك فهي في الغالب دور عبادة تقوم فيها بعض الأنشطة من خلال الجاليات المسلمة.وهنا نلج الى بوابة أخرى وهي التاريخ العثماني في اليونان، حيث سيطرت الدولة العثمانية، منذ القرن الخامس عشر، حتى بدايات القرن التاسع عشر على مجمل الأراضي اليونانية، فشواهد تاريخهم ومساجدهم، حاضرة في كل مكان، وكذالك شواهد الصراع معهم، العجيب أنك تمر على عدة كنائس مٌنحت أرضها، كمكرمة من زوجات السلاطين أو غيرهم من القادة العثمانيين، كدلالة تسامح، ولذالك فهو تاريخ متعدد النظر، يجب القول أولاً ان الإرث الصراعي هو المسيطر على مخيلة ووجدان الذات اليونانية.فاليونان هي الطرف القومي الغربي المسيحي التاريخي، في مواجهة الزحف الشرقي المسلم، وهي وصربيا المركز المقابل لحروب العثمانيين الشرسة، في البلقان، للدفاع عن دولتهم الصاعدة، هذه الحروب فيها مركز فكري لقصة الصراع والحضارة بين الشرق والغرب، وفيها سجلات دم وتعسف وظلم، كل فريق يتحمل جريرته فيها، من خلال المرجع الروحي الذي حملته رسالة الأنبياء، وأخلاق الحرب الصادقة.ونزعم في الشرق المسلم أنهُ لا مجال لمقارنة الإبادات التاريخية، للروم القديم في أوروبا، منذ حروب البلقان حتى سقوط الاندلس، مع الضحايا الأبرياء الذين تورط في قتلهم قادة وعساكر عثمانيون أو غيرهم، وبعض هذا البغي ارتد على المسلمين انفسهم، حيث قُتل الملايين من أبناء المسلمين، في الحرب العالمية الأولي التي خاضتها الدولة العثمانية، في خطيئة تاريخية لمناصرة المانيا، فكان سقوطها فيها.فرز هذا التاريخ يحتاج الى زمن طويل، ماذا علينا وماذا لنا في تاريخ اليونان كمسلمين، لكن أيضاً لا يجب أن تقف العلاقة على البعد الصراعي بين اليونان والعثمانيين، ومما يُعجب لها من ذكاء السياسة التركية، ان أرمينيا التي خسرت الحرب مع أذربيجان، فتحت لها تركيا بوابة علاقات صداقة واقتصاد، ساهمت في إنقاذها وتعزيز علاقتها مع تركيا الجديدة، رغم الإرث الصراعي، ورغم موقف انقرة المعروف في مناصرة المظلمة الأذرية ضد أرمينيا، ونحن اذ نعتبر أي نفس بريئة قتلت في الصراع القديم بين الاتراك والأرمن، جريمة نبرأ الى الله منها، أكان الضحية أرمني مسيحي أو مسلم عثماني.نحتاج أن نفتح علاقة صداقة مع الشعب اليوناني، كوطن عربي يحمل شراكة الشرق المسلم، وثقافة الانفتاح على الجوار الأوربي للعرب في المحيط، وهي ثقافة مهمة لأبناء اليونان العرب، لتعزيز الجسر الوطني الجامع لمصالحهم، وللإحسان للوطن الجديد.
