مهنا الحبيل

من مدينة أزمير ومعالمها حتى محيطها القريب، كانت هناك معالم سياحية متعددة، وخاصة المواقع المسيحية الأثرية، وبالطبع هناك كنائس قائمة حتى اليوم ومتُعهدة من الأخوة مسيحيي تركيا.وأشير هنا إلى أن الحياة الاجتماعية في أزمير التي تتعامل معها كسائح، تتميز بالاحترام والمصداقية، ولم أشعر على الإطلاق انها بيئة لا تقبل المتدينين ولا تساعدهم في تمكين الشعائر، ومساجدها عامرة بالمصلين، وإن لم تكن ككثافة بيوت الله في إسطنبول، وبالعموم فإن هناك مفهوم راسخ في الوجدان التركي، وهو الحفاظ على تعظيم مكانة الدولة والوطن، أياً كان الحاكم، والوحدة الاجتماعية لحمايته. ولذلك فالرئيس المؤسس كمال اتاتورك يحظى بشعبية جارفة في أزمير، وهي مسألة دقيقة للمهتم بالتاريخ التركي، لفهم رحلة الدولة ما بعد العهد العثماني حتى قيام الجمهورية الحديثة، وهذه الزاوية لا تزال تمثل اشكالاً عند بعض العرب، رغم أن الرئيس أردوغان الذي يمثل اليوم موقع قائد الأمة، يتبنى إحياء الرابط التركي المشترك، بين شعب الجمهورية الحديثة، والشعوب القومية التركية، المتداخلة مع السلاجقة والتتر، وهو بذاته يشير ويشيد في كل مناسبة وطنية ذات علاقة بالمؤسس لتركيا الحديثة. إن زاوية التناول هنا حين ترقب صور الرئيس اتاتورك معلقة بكثافة، حتى في المنازل في ازمير وغيرها، يشير الى عمق هذه الشخصية في الوجدان التركي، وهو لا يخص فقط الحالة العلمانية الراديكالية، ولكن العلمانية والوطنية العامة، التي فيها من هو ذو طابع ديني ومتصالح مع الإسلام، ويؤدي الشعائر. وأحيانا قد يكون التقاطك المشهد كسائح مع بعض البحث، يرشدك إلى فهم أدق من الصورة الذهنية التي صنعتها بعض المصادر الإسلامية عن أتاتورك، ليس من خلال موقفه من الدين، ولكن عبر فهم مكانته الشعبية القوية في تركيا الحديثة.هل يعني ذالك أن أتاتورك ليس له صراع مع العمق الإسلامي؟ نقول كلا.. فهناك ما يكفي من أرشيف ومن كفاح اجتماعي وسياسي، خاصة عبر كفاح الأستاذ بديع الزمان النورسي رحمه الله، في مواجهة العلمانية اللائكية المتطرفة، التي سعت لعزل شرس للإسلام وتدخلت حتى في لغة الآذان، والنورسي هو الشخصية الأبرز في تاريخ التمسك بحق التدين الإسلامي، وتثبيت الشعائر في تركيا، لكنه ليس الوحيد، فهناك من الصوفية وغيرهم الكثير. لكن البعد الآخر هو ايمان شريحة مهمة من المجتمع التركي، بأن فساد السلاطين في آخر العهدة العثمانية، كاد أن يُسقط ما تبقى من الدولة بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية، وأن قيادة اتاتورك للحروب الكبرى هي من أنقذ تركيا الحديثة، وأعاد تأسيسها في جمهورية جديدة، تخلصت حسب ما يعتقده كثير من أبناء الشعب، من السلطنة المترهلة الفاسدة ومن هموم الشعوب الأخرى. ملخص الأمر أن الصورة النمطية عن أتاتورك بين العرب، حسب رواية الإسلاميين، ليست سائدة في المجتمع، وان كان يؤمن بها شرائح متدينة من الطرق الصوفية وغيرهم، وهذا وعيٌ يساعد الفرد والمثقف العربي على فهم واقع المجتمع التركي، وحساسيته في الحفاظ على الوطن الذي نجى بصعوبة من يد الاستعمار. فحروب ومفاوضات اتاتورك كمنتصر حافظت على وحدة الوطن، دون أن يُلغي ذالك الارث القمعي والدموي للرئيس المؤسس، لكن في النهاية هذه ثقافة لجزء كبير من الشعب، وطّنته الدولة منذ تاريخ التأسيس وهناك قناعة كبيرة حوله. هنا تبدو لك أزمير وبودروم، وتعدد الثقافات كنسيج طبيعي لتاريخ تركيا الحديث، المتصارع والمتداخل في ذات الوقت مع أوروبا المسيحية، ومع أوروبا الحديثة، التي استلهم الرئيس اتاتورك بعض نظرياتها اللبرالية، واستنسخ بعض أُطرها الإدارية، لكنه لم يسمح لعبور النموذج الديمقراطي، دون أن يُجرى عليه عمليات غربلة لائكية متطرفة، تحدد مساحة الاختلاف المتاح لممثلي الشعب، ولكن منذ عام 2020 جرى اختراق لهذا الحصار عبر العملية الديمقراطية، ولا يزال الجدل عليها منذ انقلاب تموز 2015 والتغييرات الكبيرة بعده. من ضمن هذا التداخل المعالم السياحية الواسعة للمسيحيين، وكان منها مدينة سلجوق التي بدت مزدحمة بالمسيحيين الغربيين وغيرهم، وارثها السلجوقي بسيط، ولكنها بلدة خدمية للمدينة المسيحية القديمة (أفسس) منذ العهد الروماني، وفيها عاش القديس الشهير بولس، فهذه المعاهد والكنائس والقلاع لا تزال في عهدة الأتراك، وهي محل اعتناء كبير. ومما ادهشني في زيارتي أن يكون هناك بيت للسيدة مريم العذراء عليها السلام، اقامت فيه بعد (صلب) السيد المسيح، أو رَفعِهِ كما في الحقيقة القرآنية، وأن أحد الحواريين، اعتنى بها واخذها بعد المؤامرة اليهودية عليها، حسب الرواية المسيحية، فيحج لهذا البيت الآلاف من السياح كل شهر، ورغم التشكيك القوي المدلل في حقيقة هذه البيت، لكنه اليوم ضمن الآثار المسيحية التي تعتني بها الأمة التركية. وللحكاية بقية