سياحة الفجر في إسطنبول
مهنا الحبيل
قررتُ تغيير الخطة في هذه الزيارة لإسطنبول، للفجر خصوصية باذخة لا تشرحها الكلمات، فهي نبضُ روح وتمتمات مشاعر بين السماء والأرض، فكيف تُعبِّر عنها بلغة سياحية تقليدية! لكنني وإن اكرمني الله بشهود صلاة الفجر سابقاً، غير أنني أعودُ للاستراحة والإفطار في الفندق ثم العودة الى برنامجي الخاص، وهو برنامج متكرر عندي، ولكنه ماتع، يشاركني بعض الرفاق فتزدان بهم الأمسيات، أو أمضي وحدي أباشر طقوسي الخاصة، بين البسفور والأحياء العتيقة، عادة لا تجذبني المقاهي الشهيرة، أحب الزوايا البسيطة، التي تتوارى في الأزقة، وتكيّات الشاي عند المساجد، أو المقهى الذي لم يعرفه السياح إلا مؤخراً، حيث إنه في أرض خلفية لمقبرة الآباء القوميين المؤسسين لتركيا الحديثة. وهو محطة للطلاب والأساتذة في جامعة إسطنبول، ولكن الأروقة القديمة لم تعد متوارية، فغزوات السيّاح لا تتوقف، وسُعار الأسعار مستمر في التوحش، ورغم ذالك الحج السياحي لإسطنبول لا تتوقف قوافله، غير أني حين أعبُرُ على تلك الطرقات، والمشاهد التي أحبها، اركن إلى مقاهي فوزي باشا، فهي أهدأ بالاً وأقل في شَراهة التدخين. هذا التدخين الذي يكرهه الله، يروعني على أهلنا من الشعب التركي وغيرهم، كيف ينتشر انتشار النار في الحطيم، وهو مُتلفٌ للصحة مؤذٍ للرائحة، مؤثرٌ على الطفولة التي ترقُبُه في كل منعطف، وعلى سكينة المجتمع ونقاء طقسه وبيئته، ادعو الله أن يُهيئ للإخوة المسؤولين تصورات استراتيجية، لخطط محاصرته ودعم عمليات الإقلاع الطوعية عنه. غير انني غَيّرت البوصلة هذه المرة، إلى برنامج مختلف، فالبدأ من الفجر والمنطلق إليه، قال لي موظف الفندق هل نضيف لك الإفطار فحجزك بلا فطور، قلتُ كلّا .. اخترتُ السكن في أحد أطراف مربع الفاتح، في الطلعة المؤدية للسلطان أحمد، وكان لي عهدٌ بجامع السلطان بايزيد الملاصق للسوق الكبير (جراند بازار) تلك المنطقة حين يرتفع النهار تختنق من الازدحام وإن بقي لها رونقها، ولذالك قلتُ حيّ على الفلاح من تباشير الصبح، رتبتُ ليلتي ولستُ بصاحب سهر، وإن جرت استثناءات متكررة، مع الرفقة أو الأسرة، لكن نهار الشتاء قصير، فجيدٌ أن أبادر إلى بكوره، كان الطقس رائعاً في نوفمبر الماضي، لم يهجم البرد بعد، ويظل شتاء إسطنبول أهون من كندا، غير أن خلال موسم الشتاء المكثف، تعاني إسطنبول من عواصف ثلجية قاسية.خرجتُ من الفندق القريب من جامع بايزيد بعد الآذان، والأخوة الأتراك يضعون فاصلاً بين الآذان والإقامة، بما يقارب تلاوة حزب من القرآن، منذ اللحظة الأولى لخروجك، تشعر بصفاء عجيب، فالحياة لم تدب في الأستانة، أو قل الصخب والضجيج للخدمات، أما حياة الروح فحاضرة، ولأذان الفجر فيها، وقعٌ قلبي يشرح الصدر، مع دخولي إلى المسجد وأداء ركعتي الرغيبة، استمعتُ إلى تلاوة المؤذن الذي سبق أن تعرفت عليه منذ سنوات، كانت تلاوة ما قبل الصلاة، أنت تدخل هنا في قداس مبارك يصلك بالسماء، ويُذكّرك أن هذا النداء، ليس من أصوات الأرض، ولكنه من وحي من فطرها وخلقها، فتنفذُ آياته إلى قلبك. بعد أن بَدَأَ التذكير بتسبيحات الصلاة لإقامتها، اصطففتً مع المصلين بين السياح، وبعض الموظفين أو المقيمين الأتراك في الحي، وقد كانت تلاوة الإمام جامعة خاشعة للقلوب، فخرجتُ سائح الروح بين المآذن والمحراب، وانطلقتُ مباشرةً الى ساحة السلطان أحمد، وكانت خفيفة جداً، لكن لفت نظري أن هناك من سبقني بعدد لا بأس به، السياح من المسلمين وغيرهم، أدركوا قيمة سياحة الفجر. نزلتُ إلى ركن منزوي قرب مسجد امينونو عند السوق المصري، واسمه الجامع الجديد، ولكنه مؤسس من أكثر من 400 عام، كان موسم الرمان حاضراً، ومع تجاوز الساعة السابعة، فأنت تبصر مقاهي تفتح، وكان حظي في تلك الزاوية قدح من العصير الطازج، بقيمة معقولة، بعدها جاء وقت البسفور، في الإطلالة التي تقع خلف محطة سيركجي مرمراي، وهناك مكتبة حكومية في ظهرها مقهى، ومواجهة للساحل مباشرة، فكانت قهوتي تطفو على البحر، وتعزف لها طيور النورس. خلال رجوعي وأنا في هدأة بال ومتعة، ابصرتُ المقهى الإسطنبولي الشهير، (سميت سراي) ومع الأسف تقلصت فروعه رغم تميّزه، واعتدال أسعاره، واتقانه الشاي التركي، فأنختُ راحلتي عنده، وافطرتُ فطوراً لذيذاً، متوازناً وبسعرٍ معقول، وقفلتُ عائداً وقد ارتفع النهار، ولا يزال في حصيلة الوقت متسعٌ للراحة، ولقاء الرفاق، وإنجاز أعمال الكتب والنشر، التي احتاجها في عروس الشرق. هل راقت لكم الفكرة! هلموا الينا في سياحة الفجر، تعيشون تجاربكم، وقد ارتويتم من محراب النور، ومن متعة الصدور، وهنا ننهي حكاية السياحة الفكرية في الديار التركية.
