فقه العمران والشِرعةُ الدولية

مهنا الحبيل

لقد أسسنا في مقالات سابقة، بُنية النقد والنقض لواقع هذا العالم الحديث، الذي يتحول إلى صراعات تُحطم ما بقي من ضمير أخلاقي، يحكم النفس البشرية في سبيل شراكة تعتمد الكرامة الآدمية والقسط بين الناس، والتعارف بين الشعوب لتحقيق معادلة البر والتقوى، ونلاحظ هنا تكريس هذه المعاني في المركزيات الكلية للقرآن الكريم، والتي عُضدت ببلاغ إلهي مقدس من حيث مكانة النص، وله منزلة علو، ترتفع بمسافة لا حدود لها عن مصالح الخلق، الذين تتشكل منهم شعوب هذه الأرض، وذلك في قوله تعالي (لا إكراه في الدين) وهي هنا قاعدة للتعامل بين المسلمين وغيرهم، دون مشارطة للهداية إلى الإسلام، ولا بخضوع قهري لهذه الشعوب للأمة المسلمة. وإنما فُتَح الباب لعلاقات تعاضد تقوم على الإحسان، وهي هنا تحقق معنى البر لصالح كل نفسٍ بشرية، والتقوى في الاحتساب لمد يد الخير لها، ونحنُ إذ نُثبّت هذه الكليات القرآنية التي دعمتها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسعيه للسلم بين الناس، من قبائل وأمم غير مسلمة في وقت مبكر، نطرحها كأصل استنباطي بديل للمبادئ الكلية، التي ممكن أن يقوم عليها النظام العالمي الجديد. ليس لكونها قادرة على البسط على الأرض، عبر القوة الأخلاقية التي تحميها، فحال المسلمين اليوم في ظلم انفسهم مشهود، بما فيه الفساد والاستبداد، ولكن للجواب على سؤال النظام البديل الذي يحتاجه هذا العالم. ولتحقيق فريضة التحرير للمعادلة الإسلامية العمرانية، في الوجود الإنساني، وهل يملك فيها هذا الدين ما يقدمه لرؤية انقاذ وتأسيس، ومن ثم تَبسطُ النظرية أرضيتها، قبل فُرص التطبيق، وتُقدَم في منصات الجدل العالمي، والذي كان من المفترض أن تقوم به حكومات العالم المسلم.لكن حالها اليوم في التنافس في الظلم والفساد، إلا ما رحم ربي، لا يؤهلها لذلك، أما المستوى الثاني فهو النقاش الأكاديمي، الذي يعاني من تطفيف شرس في هيمنة الأكاديمية الغربية، وغرقها في المصالح المادية، والتي ثَبّتت فيها الأحداث العالمية الكبرى، أن كبرى هذا الأكاديميات، باتت جزءً من عجلة التوحش الرأسمالي، وتتصدر منافسات بقية الجامعات الغربية، وأن المعيار الأخلاقي في الأبحاث، من الطب إلى الكيمياء وتصنيع مواد السلاح، يخضع لقوة التوحش في هذا العالم. ومن جديد أكد ما نُشر مؤخراً هذه الحقيقة، فقد أظهر جدول الجامعات المتورطة، دعم الصناعة العسكرية الإسرائيلية للإبادة، ودعم مسارات أخرى تؤذي النفس البشرية، بعضها يُغطّى بمسارات طبية أو دوائية، وهذا التورط لم يكن حالات فردية، ولا جزئية، ولكن توجه عام في الأكاديميات الغربية، فمن أين تولد منصة مستقلة، لحوار معرفي جديد بينهم! فضلاً عن أن الرؤية الأخرى تُطرح كبديل انتاجي أو إصلاحي، لتحالفات إنسانية، تكافح للخلاص من هيمنة النظام السياسي الدولي الذي يديره التوحش الغربي. وهنا ينتقل بنا السؤال إلى تعيين أصولٌ فكرية لتدوين الوثائق المرجعية للعالم الأخلاقي الجديد، ومنظماته الدولية الجامعة له، كإطار يوحد جهود الفلسفة الأخلاقية، في برنامج مختلف للقانون الدولي الإصلاحي، أو وثيقة التعاقد الأخلاقي للإنسانية الجديدة. فهل نلغي تاريخ الحضارة الغربية، التي أظهرت توحشاً ونفاقاً في التطبيق، وهي اليوم ترتد في حركة اجتماعية يمينية عنصرية، تعيد التشكيك في دور مفاهيم حقوق الإنسان ومساوات الكرامة، داخل حدود المنظومة الغربية نفسها، وترتد في اليسار الاجتماعي لهدم الأسرة والطفولة. فضلاً عن ضحايا التوحش الرأسمالي بين طبقات هذه الشعوب الغربية، بعد تطور تشريعات اللذة والنزوة والتشريع القانوني للسماح لتعاطي المخدرات، بناءً على أصلٍ فكري، حررته بعض اتجاهات الفلسفة الغربية ذاتها، كنموذج ميشيل فوكو في مرجعية النزوة في قرار الحياة الفردية، وما تختاره من منهج سلوك أو تفكير، ارتد على فوكو نفسه، ومع ذالك استُنسخت فلسفته على العالم الحديث. وطَبقت المنظومة الدولية الحالية وهي الأمم المتحدة، هذه الشرائع أو التوصيات التي صدرت تحت حالات اضطراب وتطرف، في صراع الذات الغربية بين الدين والسياسة، حصدته الحداثة المادية الشرسة، فسقطت الروح بينهم. غير أن الإنصاف يوجب عدم تعميم الحكم على الفلسفة الغربية، أو القانون والتشريعات الدستورية التي خَلَصَت لها، فبعضها حقق صيانة قانونية لمفهوم الحرية والكرامة، وبعضها ربطها بمعايير الفطرة الأولى، وإن تاه في بعض الطريق، وعليه فإن هذا الميراث للحضارة الغربية يحتاج إلى غربلة واسعة، وإعادة تنظيم ليُستعاد إلى سلسلة الوعي الحقوقي للمشترك الإنساني، الذي من الطبيعي أن يُقيّم واقع الحياة البشرية، في تطورها الطبيعي في التاريخ الاجتماعي لهذه الأرض، وليس تطور الإنسان، من جذور قرد، خلقتها خلية الأمونيا المنبثقة وجودياً دون خالق، ولا عقل.