Categories: مواد فكرية

في محددات الفلسفة والفيلسوف

في محددات الفلسفة والفيلسوف

مهنا الحبيل

هناك جانب معرفي جدير بالتداول، وهو هل من الضرورة لضم الفكرة أو المسألة الجدلية، الى منصة الفلسفة الكبرى، من وضع عنوان متعلق بالفلسفة، كمصطلح حصري، أم أن الفلسفة هي في أصلها، سؤال بحث عن الوجود وحكمة الخلق، والتفاعل مع هذه الأرض، وفي جمهوريتها يعود سؤال البحث الدائم عن الإصلاح الأخلاقي، بين البشر وبين البشر والأرض، لاحظ هنا ثلاثية مالك بن نبي في مدخله للنهضة، وهي تحريك التفاعل بين التراب والإنسان والزمن، فالتراب هو البيئة التي نشأ فيها الفرد والحضارة، والزمن تقدير العهد التاريخي لمراحل التفاعل، ودور الإنسان هو في تحريك الاندماج الخلّاق بينهم.

وخلافاً لنظرية النقد الشمولي للحضارة الغربية، التي تكاد ترفض المشترك الحضاري، أو تحصره في منظومة ضيقة، أو تتحفظ على كل مصطلحاته، بحجة أن الروح الإسلامية متباينة في أصل المنطلق، فإن مالك بن نبي يرى أنه من الخطأ، أن تُفصل الحضارات بسور حديدي، فايمانه هو أن الميراث الحضاري مشترك خَلقي، فهو نحت الإنسان في دورات الزمان في بيئة كل أمة.

فلم يحوّل مالك بن نبي صراعه مع العالم الكولونيالي، لإنفصالية مطلقة بين الذات البشرية هنا وهناك، وإنما توقف عند لزوميات التاريخ البشري، ولذلك نستحضر هنا لماذا نبأنا الله بخبر من قبلنا ونبأ من بعدنا، وأين نضعه في الميزان القرآني المقدس، (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا)، فكيف إذا كان مقتضى هذا البيان، وصول الحضارات الى مفاهيم تنظيمية للحقوق والعدالة الاجتماعية، وهي المفاهيم التي لم تفرز من التراث ولم تصل لها تطبيقات المسلمين، في عهودهم، وهي من كليات القطعيات القرآنية في مصالح البشر، أكانت متعلقة بالأخلاق أو بالقانون.

 أليس من الإفتآت أن نُسقط تلك الخيرية أو الوسيطة الرشيدة في الحضارة الغربية، فقط بدعوى أنها لم ترد في التراث، هل هذا التراث يتنزل منزلة الوحي، وهل إعادة نقد تاريخ الحداثة وفلسفتها البائسة ضد الإنسان والروح، يقتضي أن نردّ التاريخ البشري الى مرجعية التراث في كتب المسلمين، هل التراث هنا مع ما تيقن في فساد بعضه، وخضوع بعضه الأخر لتدخل الاستبداد، ومزاج السياسيين ونفعيتهم، أو ضيق أفق هذا الشيخ أو ذاك، أو عصبيته وصراعاته، أو جهله لنص من الشريعة، فيفرض هذا التراث في مقام الكتاب والسنة الصحيحة؟

 كيف! وبعض ما وصلت له هذه الحضارات، متفق مع مقاصد الشريعة في عمران الأرض وتجلية حقوق العباد؟

وهذا لا يعني أن نُسقط كنوز التراث ولا مدارات التفوق في طبقات المذاهب، ولا صور الحضارة الأخلاقية فيها رغم بغي المستبدين، ولا نتجاهل تحريرات العلماء المتفقة مع نهضة الإنسان وكرامته، ولا نُلزم التراث بمصطلحات الغرب الفلسفي، لكن أيضاً لا يجوز أن نُعلن ارث هذه الحضارات في التاريخ الإنساني، مساحات معزولة تستفز العقل المسلم، فنرفضها خشية أو كراهية، فهذا ليس من العدل ولا الحكمة.

أما الفريق الآخر المتأثر بالقابلية لمشارطة الفلسفة الغربية، فهو يظن أن تحريرات الجدل في أفق المعرفة الإنسانية، يجب أن تدور في فلك ارسطو وافلاطون، أو تخضع لمشتركات إنجلز وكارل ماركس، أو تكون في هامش جون لوك أو روسو أو ديكارت، أو في نزعة فوكو أو مراجعات هابرماس أو تشارلز تايلور، وإلا فهي ليست فلسفة، ما الذي تفترضه من صحة مطلقة يقينية هذه القاعدة، لكي يُلزم بها عالم الفلسفة المعرفي؟

 هذا نحتاج إلى دليل، تماماً كما أنك تقول أن تقريرات الغزالي على الفلسفة، هي مرجع مطلق لا يجوز تجازوه، فكلا القاعدتين خطأ.

أما في جذر الجدل المعاصر، فإن استدعاء فسلفة النقد والنقض، في الحالة الإسلامية الجديدة، تطرح عودة الروح، ويقينيات الوحي، في دلالة الوجود وفي تأثيرها في الذات، وفي سلوك البشر، وهي وإن وردت عند بعض فلاسفة الغرب، غير أنها اكثر عمقاً وأشد تأصيلاً وتحريراً، في الفلسفة الأخلاقية الإسلامية، فكيف يُطلب من مدرسة نقد مختلفة أن تخضع لمدارات الفلسفة الغربية، من الغرب القديم الى مدرسة فرانكفورت، حتى جدل نوح هراري.

 هذا تعسّفٌ وجهل أيضا في تنظيم مسارات المعرفة، ولك أن تتكتل حول المرجعية الغربية إن كان هذا رأيك، غير أنه انتماء لا يشرع لك حصر الفلسفة به.

إن نموذج عبد الوهاب المسيري أو بيغوفيتش أو مالك بن نبي ليس محصوراً بهم، ولكنه يشمل شخصيات أخرى في محاولات نهضة العالم المسلم، ومقدماتهم في سبيل تحرير معرفة مستقلة، تنقذ الإنسان والأوطان، في نبض روحها الإسلامي، لا تفرز المسلم عن غير المسلم، في مصلحة العمران، فهي تقوم على البيان القرآني القطعي لحكمة استخلاف البشر بين الأزمان والأوطان.

mohana63

Recent Posts

المسلمون في اليونان

المسلمون في اليونان مهنا الحبيل خلال الجولة مع الشيخ شادي رنّ هاتفه أكثر من مرة،…

4 أيام ago

بين المقهى والمسجد في اليونان

بين المقهى والمسجد في اليونان مهنا الحبيل واصلنا البحث عن فندق كريستينا، كنتُ ارجو أن…

4 أيام ago

العودة لأثينا

العودة لأثينا مهنا الحبيل كانت شابة صغيرة تخرج علينا بالكرسي المتحرك بسبب اعاقتها، من المكتب…

4 أيام ago

أهل القرآن في رمضان

أهل القرآن في رمضان مهنا الحبيل هناك جاذب روحي يشد وجدان المسلمين في رمضان نحو…

4 أيام ago

النموذج الجوهري لإنتصار المسيري

النموذج الجوهري لانتصار المسيري مهنا الحبيل في توثيق مهم لسياق تناولنا لقضية إبستين، وعلاقتها بمفهوم…

4 أيام ago

حتى لا يضيع الدليل اليقيني في ملف إبستين

حتى لا يضيع الدليل اليقيني في ملف إبستين مهنا الحبيل قد شكّلت إثارة قضية ملف…

4 أيام ago