في مفهوم الإسلام العالمي

مهنا الحبيل

هناك فارق دقيق بين التطور غير العاقل والمتناقض للعالم الحديث، والتطور الذي فطره الله في خلقه وخِلقته، من باقي الموجودات، والتي ترى فيها تجانساً يدهش النفس ويعجبها في صدمة متجددة للإتقان، كلما أجالت النظر فيه، ينقلب إليها البصر وهو حسير، وحسير هنا تعني عجزه من رصد أي خلل في هذا الكون المتقن، لكن طبائع النمو في الذات البشرية وفي حضاراته، تحتاج إلى دورات تجديد في التشريع، لا تناقض الفطرة ولكن تتحد معها عند كل دورة تطور إنساني، ولذالك كان بعث النبوات تأكيداً لهذا المعنى، ولذالك كانت الشريعة الإسلامية ذات مساحة معرفية متجددة.إن العالم اليوم بحاجة لطرح المرجعيات التي عاشتها حضاراته، وكانت تدور في التاريخ الإنساني، على علاقة الأعراف التي تؤسس للتراحم والطهرانية، في الأخلاق والطبائع، وفي نظام حياته ومعيشته، زراعة وصناعة وحتى ما يقوم عليه علم الاجتماع، فلقد جَرَفت الحداثة المنتج العالمي المتدفق بطبيعته، وصحيح أن التاريخ البشري مثقل بالصراع والحرب، وأرقام ضخمة من الضحايا، لكن الحداثة لم تعالج الأزمات، بل فاقمتها.وحوّلت نظام التعاضد المصلحي المعيشي الى عجلة الرأسمالية الضخمة، تطحنها وتحول الشعوب والأمم، إلى كتل بشرية تحصد فيها منافعها المادية بقتل ملايين الناس، وأسست وسائط تدمير مرعبة، ما تقتله السيوف في عقود، تحرقه الأسلحة الفتاكة في أيام، بل تبيد كتلة من الأمم في ساعات، هذا قبل أن تُطور مستويات القتل في الأسلحة النووية لما هو أشنع. إن الإشكال الأخطر هنا، هو رهن أرزاق الخليقة، التي بسطها الله الخالق المتعالي بين الناس، من آمن به وعبده، ومن كفر به وعبد غيره، هذه الأرزاق والمعايش سُرقت من الكوكب، إلى مستودعات الحداثة الضخمة، وتلك الأعراف التي أدركتها أجيال من الأمم، لتورثها العهد الجديد من أبنائها، أسقطتها المصانع العالمية، حتى اللباس، بات سوق المصلحة المتوحش يحدد ما هو جميل، وما هو قبيح، ويؤسس من خلال هذه التقلبات الأمزجة، والموديلات، حركة الاقتصاد ويوجهها. ويدفن كل محاولة لعودة القيم، التي توجه الأجيال لرشد في السلوك، وفي العلاقات، وتختطفهم الى عالم حديث افتراضي، يمسك رأس المال المتوحش به، ففقدت الأمم مرجعية النظر في أخلاقها، وحُبست عند هذا السد المهلك. إن الرؤية الكونية الإسلامية، تُذكّر دوماً وخاصة في البلاغ القرآني، بطبيعة هذا التنوع والتعدد في الوصول الى قيم النفع العام، والإحسان إلى الذات البشرية، ووصول الإسلام إلى خارج أرضه، من حيث البلاغ وليس من حيث الدعوة، إذ أن الأرض كلها متاحة للدعوة الإسلامية، في معناها الأصلي لتلقي بلاغ الله إلى أهل الأرض، وفهم رابطة النبوات، وتفسير الغيب الذي ينظم عقلهم وسلوكهم، إلى التي هي أحسن، بينهم وبين الخالق وبينهم وبين أنفسهم. هذا هو الفارق الذي تواصلت به طبائع الناس، وحافظوا عليها حتى مع دخولهم الى الإسلام، وبعضهم ظل محتفظاً بدينه وأعرافه، والعُرفُ هنا هو الذي نركز عليه في بياننا، كحق يمنح الحياة مساحة المعرفة البشرية المستقلة، لروحها الجديدة، فترفض السياج الحديدي الذي فرضته الحداثة وذراعها الرأسمالي على العالم. إن الدعوة العالمية هنا، نقصد منها حق الأمم في النظر إلى ارثها المعرفي واستدعائه، وفهم مصالحها منه، وكيف يتحول المحيط البسيط الى حضن دافئ للذات وللأسرة، لو تحرر من معتقل الحداثة. ونحن نلاحظ أن التنافس العالمي، الذي تدخل فيه الصين قطباً ضخماً في عالم اليوم، يقوم على الصراع على ذات القوة الرأسمالية، ولم يعد للشرق غير المسلم، رغم اختلاف تاريخه عن المسلمين، منظومة تعتمد اعرافه الأولى، التي تُعلي المعيار الأخلاقي التراحمي، حتى مع وجود طبائع سوء، أو ارث صراع دموي، يفترض أن يُصحّح عبر معادلة الأخلاق العليا، التي تهتدي لها النفس البشرية. إذن مفهوم الإسلام العالمي الذي نعنيه، وعلاقته مع أمم الأرض، ليس معتقد أيدلوجي يترصد لها، ليغزوها ويضمها لثروته، لم تكن الثروة يوماً هدفاً لمنظومة الإسلام العالمي، وانما القدرة العسكرية ترس حماية، وقوة نفوذ تمنع هيمنة المعسكرات المادية، والضلال الدولي، الذي ارتبط بظلم الضعفاء وبتعبيدهم وتسخيرهم، للقوة الغاشمة، فتردعه القوة الإسلامية الرشيدة. فهل تاريخ المسلمين ظل مرتبطاً بهذه الشرعية الأخلاقية؟كلا ..نقولها بوضوح ودون لبس.إن مهمة الرؤية الكونية تصحيح خلل التاريخ، وفساد العهود السياسية بين المسلمين، رغم تميزهم عن غيرهم في الحصيلة الحضارية الكبرى، غير أن العودة الى صدارة العالم، لا بد أن تُبنى على أصول الرشد الإسلامي الأول، الذي يُهيئ لمعهد عالمي جديد، تجتمع فيه أعراف العالم، وتعيد بعث قيمها، وتنتخب فيه ما هو في صالح الكوكب وأهله، هذه هي قاعدة التأسيس للوثيقة العالمية الجديدة للإنقاذ.