Categories: مقالات

كسر العظم بين بوتين والغرب

كسر العظم بين بوتين والغرب

مهنا الحبيل

27/2/2022

لم تكاد تمر 48 ساعة من بدأ العزو العسكري الروسي لأوكرانيا، إلّا وأصبح الجيش الروسي على مشارف كييف، ونحن نكتب بعد أن أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية بأن العاصمة تشهد غزواً من ثلاث محاور، وفي تاريخ الصراعات الحربية وخاصة الدول الصغيرة والضعيفة مقابل الدول الكبرى، فإن هذا التقدم السريع لا يكفي للحسم بنتيجة الانتصار، وما هو المقصود من الانتصار في الحرب الأوكرانية الروسية، في جانب موسكو أو كييف؟ 

  فهذا يحتاج إلى تحرير الخلاصة التي ستنتهي لها الحرب، وحجم ما ينعكس على الدولتين، ولكن المشهد الأول اليوم يعطي مؤشراً مهماً لتوجهات المعركة، وعلاقتها بحرب كسر العظم الكبرى بين الغرب وروسيا الجديدة، التي تتقدم إلى مساحة أكبر في إعلانها كدولة عُظمى لن تستعيد الفكرة الشيوعية، ولكن روح روسيا القيصرية الأرثوذكسية المتشددة، وهذا بالضبط ما عكسه خطاب بوتين المطول قبل كلمته لإعلان الحرب. 

  وهناك أبعاد خطيرة في كلمة القيصر الجديد، لكننا نركز هنا على الهدف السريع الذي يسعى بوتين ليتقدم له ويحسمه على أرض المعركة، والعالم من حوله يلتقط رسالة القوة العظمى المتوحشة، في المقابل فإن حجم التصريحات التي قدمها النيتو أو الإتحاد الأوربي، وخاصة واشنطن من تحذير وتهديد ونوايا أو وعود دعم، لم تفعل شيء لردع القرار الروسي، الذي يعتمد الحسم على الأرض، والمبادرة لخلق واقع ميداني حربي حقيقي. 

فهنا تستثمر موسكو حذر الجانب الأوربي من أي انخراط في مواجهة عسكرية مفتوحة منذ الحرب العالمية الثانية، فمنذ انتهاء الحرب الباردة ظلت المواجهات العسكرية للغرب محكومة بمساحة محددة، أو بخلق تحالف ضد طرف ضعيف كما جرى مع العراق وأفغانستان، بغض النظر عن الاستنزاف الذي تعرض له الأمريكيون مع الأخيرة وخسارتهم الميدان. 

  لكن بالجملة لم تكن الحرب منعكسة على الحياة اليومية، وبعيدة جداً عن الغرب، أما حرب اليوم فهي ترتد مباشرة على الإتحاد الأوربي، وهو في ذاته يعيش أزمة توافق مع خطط الأمريكيين، وصراع سياسي أخرج بريطانيا من الإتحاد، وقفزت داخله حسابات التنافس الاقتصادي الشرس، ولكن هذا لا يعني أن الغرب لن يقدم حقيبة دعم كما وعد لأوكرانيا، ولا يعني أيضاً أنهُ فقد قوته ككتلة سياسية اقتصادية موحدة، برز في التصريحات الأخيرة حرصها على أن تُظهر موقفا متحداً أمام الغزو الروسي الجديد. 

  إن القضية هنا في حجم ما يُمكن أن يتقدم له الغرب في مواجهة روسيا، وهو المباشرة بدخول الحرب وليس العقوبات الاقتصادية، ولا مدارات الدعم الأخرى لكييف، فهذا الحسم السريع لموسكو التي لا يعنيها أبداً حجم الضحايا المدنيين، فهي الشريك الراعي والعرّاب لمذابح الشعب السوري وغيره، وطبيعة الحكم الشمولي لبوتين الذي خلق ديمقراطية مزيّفة، تسمح له بالتقدم نحو مثل هذه القرارات ووضع السلطات السياسية والعسكرية في روسيا، تحت الواقع التنفيذي. 

  ورغم وجود معارضة سياسية لسياسة بوتين، لكنها حوصرت تماماً تحت القمع الأمني، فهو ينطلق بغرور مشهود حتى على مستوى لقاءه قيادات العالم، وفي ذات الوقت يبعث رسالته لكل الأطراف ذات العلاقة، بأن تكلفة تأييد الغرب وتقديم خدمات تنفيذية لهم في الميدان العسكري أو في الطاقة، لمواجهة الزحف الروسي سيكون مؤذياً لهم، حتى من دول الأطراف العربية أو الحلفاء الإقليميين كتركيا. 

  يراهن بوتين هنا على سرعة إنجاز بنك الأهداف النهائي، سيتبعه تنصيب حكومة موالية له في كييف يُعيد بعدها نشر قواته، في صورة انسحاب نسبي، واتفاقيات مع الحكم الجديد، ويُعطيه بعد ذلك مساحةً من الحرية كحكم مستقل، يراعي الخطوط الحمراء لموسكو، ويخدم مصالحها، وعليه تكون رسالة المعركة الجديدة قد عززت نفوذ القيصر، وأكدت رسالته للعالم وليس الغرب فقط. 

  في حين لو بقيت بالفعل مقاومة عسكرية في أوكرانيا تتلقى دعماً من الغرب، فإن مساحة استعادتها لأوكرانيا المستقلة تبقى ضعيفة وتحتاج لفترة زمنية، أما الحسم العسكري المباشر ثم التغيير السياسي في سياقه، فهو نتيجة تُصنع على الأرض، ومع تأييد بكين للغزو الروسي، فإن معركة كسر العظم التي تنجز في شرق اوربا، لن تقف عند تلك الحدود ولكنها تصل إلى أطراف العالم وإلى مياه الخليج الدافئة وحليف موسكو الإيراني فيه، وكأنما يقلب الروس الطاولة على الغرب بعد الحرب الباردة. 

mohana63

Recent Posts

لماذا ندعو العالم لسيرة النبي؟

لماذا ندعو العالم لسيرة النبي؟ مهنا الحبيل ثمان سنوات تفصلنا عن اعداد الطبعة الأولى من…

6 أيام ago

في مفهوم الإسلام العالمي

في مفهوم الإسلام العالمي مهنا الحبيل هناك فارق دقيق بين التطور غير العاقل والمتناقض للعالم…

6 أيام ago

فقه العمران والشِرعة الدولية

فقه العمران والشِرعةُ الدولية مهنا الحبيل لقد أسسنا في مقالات سابقة، بُنية النقد والنقض لواقع…

6 أيام ago

سياحة الفجر في إسطنبول

سياحة الفجر في إسطنبول مهنا الحبيل قررتُ تغيير الخطة في هذه الزيارة لإسطنبول، للفجر خصوصية…

6 أيام ago

بيت السيدة العذراء في تركيا

مهنا الحبيل من مدينة أزمير ومعالمها حتى محيطها القريب، كانت هناك معالم سياحية متعددة، وخاصة…

6 أيام ago

السياحة والنظافة والحضارة

السياحة والنظافة والحضارة مهنا الحبيل بدت لي أزمير محطة مهمة لبدأ الرحلة التركية البرية، كان…

شهر واحد ago