لماذا ندعو العالم لسيرة النبي؟
مهنا الحبيل
ثمان سنوات تفصلنا عن اعداد الطبعة الأولى من فكر السيرة، مليئة بتقلبات الظروف، وبتوسع مكتبة المعرفة والتنقل بين عالم الأفكار والفلسفة، والاستقرار في المهجر الغربي الذي اكتب فيه مقدمة الطبعة الثانية اليوم، وتحديداً في كندا، هذه الرحلات المعرفية توسع فيها رصيد الاطلاع على حياة هذا العالم الأخير، وهو يعيد الرابط بقوة بالمصطلح الذي ادرجتُه في كتاب فكر السيرة، وهو العالم الجديد، بعد أن ختمت مسودته الأولى في عام 2016 في إسطنبول، كان هذا المصطلح غريب بعض الشيء عن لغة المؤلفات الإسلامية في تلك الفترة، لكن وقعه اليوم أكثر انتباهاً، فما هو هذا العالم. إنه العالم الجديد الذي بُعث بين يدي رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وحياته في الإسلام، إنها قصة ذالك الوحي الإلهي الذي تسعى تعاليمه بين الناس، وتنظم حسب قدراتهم التي فطرها الله فيهم، وفي ارضهم وتحت سمائهم، إذن هي واقعية تؤمن بالغيب، ولكنها تعتمد الفطرة وناموس الله في أرضه، وهو العهدُ الذي جاء به النبيين صلى الله عليهم وسلما، وكان معنى أن محمد رسول الله هو الخاتم لتاريخ النبوات، متصلاً بحجم التكليف لأمته، ولتقديم نموذجاً يتعبد الله في أرضه، ويُحسن إلى خلقه من آمن ومن كفر، ويقيم العدل ويحرث الأرض لأجل العمران الذي تنجو به البشرية. تأمل في قوله تعالى وصية لانبيائه: (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولا) رداً على مطالبات الأمم الجاحدة، بمهرجان من خرق العادات، ومعجزات الأنبياء، رغم أنهم صلى الله عليهم وسلما، قد عُززت رسالتهم بالمعجزات، لكنها لم تَبقى في تاريخ الأرض، وحتى مساحة خرق العادات تجري في مساحة محدودة لتاريخ الناس، لماذا؟ لأن الوحي القوي العميق المعجز، في قرآن التنزيل وقرآن التكوين، بدلالته على الإله الواحد الفرد الصمد، ربط مهمة الرسل بقانون الأرض وفطرة الخلق فيها والتسليم للسماء، هكذا كانت مهمة الأنبياء، وحين عُطّلت رسالتهم في بغي كبير في المعمورة، ظهر الفساد في البر والبحر، وخسف القوم الظالمين بالناس، في الحكم أو في نقض الفطرة في حياة الإنسانية. هنا معنى أن النبي صلى الله عليه وسلم، حين جاء في إثرِ تاريخ الظلم والفساد والانحطاط، تزامن بعثه مع هيمنة الإمبراطورية الرومانية أي الغرب القديم، بعالم جديد وسعت فيه الرسالة الشعوب، بالرحمة، والنقاء، والطهرانية الأخلاقية، والجسدية. واليوم اختل العالم من جديد، بما كسبت ايدي المسلمين أنفسهم، وبما ظلموا فيه شريعة ربهم، وبما عطلوا فيه ناموس الكون، الذي تعبدهم الله به، لتحقيق القوة والرشاد الأخلاقي، وتمكنت المذاهب الفاسدة، والمصالح المتوحشة، من اعتقال البشرية في حظيرة لا حضارة، هنا تجدد معنى السيرة النبوية لإصلاح فهم بعض المسلمين، ولتقديم وثيقة تاريخية، مدللة وليست مبهمة، تقول للناس أين طريق النجاة في هدي نبي المكرمات، وفي فهم السؤال الكبير، من أين جئنا ومتى نرحل ومن يبعثنا يوم الوعد الكبير. لقد أكرمني الله بقبول واسع لهذا الكتاب، لم ولا اظنه يتحصل لغيره من المؤلفات، وإن كنا نرجو الله بان تكون كل مؤلفات المشروع الفكري، تحت سياق القبول الرباني، والإفادة لأجيال المسلمين، وكل من يسعى في هذا الكون للمخرج اليقيني لأزمة الإنسان في العالم الأخير. لقد ظلت محاور فكر السيرة تعاود التذكير، بقصة النبي الأمين، وهي شاهدة على أزمة الشرق المسلم، وعلى تغوّل الظلم الدولي وغيره، ولذالك فإني ارجو مع هذه الطبعة التي أسعى فيها، لبعض الشرح والتحقيق، مع بقاء الجسم الأصلي للكتاب، إلى مساحة أوسع في الحضور، وخاصة بأن الكتاب قد طبعت منه نسخة إنجليزية وفرنسية، في رجاء أن ينفع الله به مساحات أوسع من الأوطان والمجتمعات. إنه من المؤلم لي أن أجد دلالة فشل واقع الشرق المسلم اليوم، حاضرة عند مراجعة حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفكرها السياسي والاجتماعي، وقواعد التدافع فيها مع أمم الأرض، وهذا الألم مبعثه أن الأمة لم تأخذ بهذا الفكر النبوي، الذي هو أصل مقاصدي اعلى في شريعة ربها، يقوم على كليات القرآن، ومركزيات السنة النبوية، وفقه حوكمة الشريعة من خلال مبادئها الدستورية والأخلاقية والفطرية، وليس من خلال قواعد الأيدولوجيات الدينية وصراعاتها السياسية. أما على مستوى الأفراد فإن السيرة تشرح لهم ما قد يضطرب في فهم، حياتهم ومعادهم، وتحملهم على سكينة النفس وطمأنينة الروح، ولذالك أطلقت هنا المشاعر والأفكار معاً، بين يدي مقام النبوة، فحب المصطفى صلى الله عليه وسلم، مترادف مع ما بعثه الله به من أسرار النجاة والنجاح لرحلة الأرض والإنسان، والقلب المفعم بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، طريق الى السكينة الإيمانية والمعرفة الفكرية، راجين أن نكرم في الآخرة بشفاعته، كما اكرمنا الله في الدنيا بخدمة سيرته.
