هل حررت أوروبا الإنسان المعذب؟

مهنا الحبيل

لقد تناولنا في مقال سابق، توثيقات مهمة لتاريخ العبودية، المتعددة المظاهر في تاريخ الغرب القديم، ووقفنا على سؤال اعتراضي يشير إلى حجم التقدم الحقوقي، في نهضة أوروبا الحديثة، وهذا التحرير يأتي في الأصل لتبيان الفارق بين مرجعين للحضارة، في العالم الجديد، بين الغرب والإسلام. وهنا نص مهم من رسالة لجون لوك في ممازحة له، مع احد أصدقائه الفرنسيين:من بين أمور أخرى، طلبتُ لك فتاة جميلة لتكون زوجتك […] إذا لم تعجبك بعد أن تجربها لفترة من الوقت، يمكنك بيعها، وأعتقد أن سعرها سيكون أفضل مما حصل عليه رجل مقابل زوجته الأسبوع الماضي في لندن حيث باعها بأربعة شلنات للجنيه؛ أعتقد أن زوجتك ستجلب لك 5 أو 6 شلنات للرطل (من وزنها) لأنها جميلة وشابة ورقيقة للغاية*. هذا النص لجون لوك، لا نقدمه كإدانة له، أو زعم قبوله لهذا العرف، ولكن كتوثيق لوجود وانتشار هذه الحالات، وجون لوك نفسه له تاريخ مخزي في العبودية وتشريعها في المستوطنات، لم يُطبق عبيده رسالته في التسامح، إذن نحن نستوفي هنا معنى مهم، من صور العبودية الأخرى، التي لا يمكن أن تسقط في تقييم تاريخ الحضارة الغربية، مما دفع بعض المستشرقين، إلى اعتبار حالة الإماء والجواري بين المسلمين، افضل من حال المرأة في تلك العهود. وفي هذا الزمن هناك معنىً آخر لواقع المرأة أيضاً، مع تحفظنا الكبير ورفضنا، لأي نماذج تشوه التشريع الإسلامي، وموقفنا من أن العبودية في الإسلام، تابعة في الأصل لنظام الأسر، المقنن لصالح الأسارى، والمختلف عن ممارسات بعض عهود البغي في تاريخ المسلمين.في حين توثق مصادر أخرى، فظائع مروعة من نظام السُخرة، الذي يجسد حالة من العبودية المقننة، مارستها فرنسا وإنجلترا، في داخل دولهم، فضلاً عن مستعمراتهم. وهي مصادر غربية كريتشارد جون، (كيف تغيّرت معايير معيشة الطبقة العاملة خلال الثورة الصناعية) وأنطوان بارثيلمي كلوت (كلوت بك)، طبيب فرنسي (1793–1868)، خدم في مصر في عهد محمد علي باشا، وبريجيت أندرسون وجوليا أوكونيل ديفيدسون في (كتاب العبودية الحديثة: هوامش الحرية)، وفريدريك إنجلز، في أوضاع الطبقة العاملة في إنجلترا، وتقرير لجنة شؤون المهاجرين الهنود في ناتال وهو تقرير رسمي بريطاني حول أوضاع العمال الهنود المهاجرين في إقليم ناتال (جنوب أفريقيا)، 1887.يعود بنا السؤال هنا عن معنى العبودية، هل هي رق خالص ينظمه البيع والشراء، وتسقط فيه الكرامة الآدمية، أم انهُ احتجاز زماني مكاني، يحوّل الذات البشرية، إلى كتل وقود لصالح القوة الرأسمالية التي بدأت الانطلاق في صورة جديدة، فيما كانت حاضرة في القرون الوسطى، والغرب القديم ثم زمن الحداثة، وهنا يقفز سؤالٌ احتجاجي، وهو هل الغرب استقر على هذه الأحوال أم ثار عليها، ألم تكن الثورة الفرنسية مختلطة بمشاعر الطبقات، وضحايا الحرمان، وهل تحويل البنية الإنجليزية التاريخية من الملكية الكنسية، إلى الملكية الدستورية، إلا نتاج هذا الكفاح؟والحقيقة الدقيقة هنا أنه، لا يمكن أن تسقط كل المنظومة الحقوقية الدستورية في العالم الحديث، فهي مخزون واسع من الشرائع والانضباطيات الإدارية الملزمة، المعززة بمرجعية القانون الدستوري، التي تنظم كرامة الفرد وحقوقه، وعليه ليست المسألة، في جدلنا الحضاري هو ممحاة كبرى نهوي بها على كل التجربة الحضارية للغرب. غير أن الأزمة اليوم، نراها بان الغرب ذاته، قد نقض هذه الحقوق، بعد مراحل توحش الرأسمالية المعاصرة، ودورات تطورها، والتي فتحت لها أبواب الحداثة من خلال معيار التمدن، سوقاً ضخمة لصالح تسليع الإنسان ذاته.ما هو المعيار للكرامة الإنسانية، هل هو نظام الفطرة، الذي يرتب مساحات الحياة الدنيا في الطعام والشراب واللباس، وحُب الأولاد والسكينة للزوجة، وسكن الزوجة في وجدان زوجها وحضنه، هل هو مفهوم دمج الأعمال والوظائف في منظومة متسقة، تكفل حق ذوي الدخل المحدود، وتُفتح للثروة بميزان أخلاقي، وتجعل القانون متفاعلاً مع مبادئ الروح، وعلاقات المجتمع، يتناصحون بالعدل والميزان، بين رب العمل والعامل، وبين فرص الربح واخلاقية المكسب. أم أنهُ سوق مفتوح الأبواب لعالم الكسب المجنون، الذي لا يراعي أي مساحة انصاف بين السوق والمشتري، وبين المصنع والذات البشرية التي تعمل فيه، وبين المصلحة الحكومية، والميزان الأخلاقي لموظفيها، حُسنٌ في أداء العمل، وتقوى جوانية تُخلص للمهمة الوظيفية، ومراعاة للمرجع الحكومي في المصلحة، لمساحة الموظف في حياته العامة.إن النظر اليوم إلى واقع الحياة الغربية المعاصرة، يجد أن هناك استرقاق شرس لطبيعة الفطرة الإنسانية، في الذات الغربية، وفي غيرها ممن يقيمون ويتأثرون بأرضها، وهي تقوم على سحق الروح، لصالح مطارة النزوة واللذة الفردية، فما هو أثر هذا الجحيم المادي على الطبيعة البشرية اليوم!