ما هو سياق العلم الذي يُعتمد فيه على تحرير هذا الجدل الخطر، والمهم والحسّاس لتقويم تاريخ الوجود والحياة الكونية للعالم، كيف يستقيم اعتماد كلياتٍ علمية هي بذاتها، قد أُسست على عزل دلائل الروح وثَبَتّت صنمية المادة، وفَرضت تشريع هيمنتها على العقل، فالخلاف هنا في إعادة تحرير مصادر العلوم المعرفية، لا الخضوع لشروطها، وأول ما يجب أن يُلغى من شروط المعرفة الحداثية، هو حصرية مصدر الفهم للعقل البشري، وإعادته لأصل دلائل الفطرة التي خُلقت عليها الأمم البشرية، فما هو العقل الذي بَعث سؤال الحياة، ثم سؤال شروطها، ثم طبائع النفوس فيها، ثم ميزانها الأخلاقي منذ ولادة الكوكب؟هل هو العقل المادي الميكانيكي المعرّف في كليات الطب، أو تشريح الجثمان، أو في دحرجة الرؤوس زمن البغي الممتد إلى اليوم على الذات الإنسانية، من العالم القديم حتى العالم الجديد، لماذا لا يبقى هذا العقل بعد خروج الروح ليعطينا إلهامه؟ماذا نقول هنا.. وماذا تقول كل البشرية عند الموت مؤمنها وملحدها، تقول خرجت الروح! أليس كذلك، ثم ماذا؟تعطلت الأعضاء كلها بما فيها العقل، إذن ما الذي حرك الأعضاء وبعث فيها كل سرٍ للحياة، وخُص العقل بمسألة التدبر، إنها الروح.وإلا فعقل الخلايا الدماغية، كان يمكن أن يُستنطق بعد خروج الروح، ولكن لا سبيل لذلك قطعاً عند كل إدراك بشري، فكيف حُصرت المعرفة بالتخلق المادي، للعقل ولم تعترف فيمن بعث فيه سر العلم الأول.لاحظ هنا، هذا الفراغ الضخم في مصدر الوعي العقلي، وعجز المعرفة الحديثة عن الجواب، ثم تأمل في السردية القرآنية المتماسكة، في قصة نبتة المعرفة الأولى في بني آدم حين علمه الله الأسماء كلها، قال تعالي:«وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ».هذا الحدث هو أول قصة العلم في المعرفة القرآنية، ودلالته هنا، هو أن آدم عليه السلام، قد أودع في عقله الروحي اسم الشيء ومعناه، وسواءً كان علمُ من بعده مطابقاً له في التفسير الإسلامي، أم كان مرتبطاً بالوعي الخلقي الأول فيه، فالقصدُ هنا، هو أن ذالك الإنسان حين يولد ويشب، يتدبر ما بين المعنى المرأي وما يقابله من مصطلح يدور في مخيلته، هذا هو الذي فُطر في علقه الروحي، ويتعامل مع البيئة من حوله ومع ما يراه ثم يعود إلى جواب عقله الحي، الذي أودعه الله فيه.انتبه هنا إلى قول قابيل، الذي أروده القرآن الكريم حينما رأى غراباً يواري جثة غراب آخر، بعد أن قتل أخيه هابيل:«فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ ۚ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي ۖ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ».هنا نجدُ دلالة تعرف أصلية عند قابيل، ثم استنتاج تدبر من أحوال ما يراه على الأرض، ورغم جريمته إلا أن ذالك لم يعطل استدراك المعلومة المطلوبة، وتطبيقها بموارات الموتى باطن الأرض، الذي تنظم به البشرية دفن موتاها، كأفضل حل للتعامل مع الجسد، وللكرامة الآدمية، تجد هنا مرةً أخرى تفسيراً مهما، لتراتبية الوعي بالعلم في تاريخ الأرض، عند كل احتياج يطرأ.وعليه يندرج تطور الإنسان المعرفي، وهكذا اكتسبت الحياة أبعاداً متجددة لتوسع علومها وما أمكن الإنسان من اكتشافه، لكن مجهر الاستكشاف هو هذا العقل الذي يسري مع الروح، لا الخلايا الدماغية وحدها، التي تنطفئ تماماً مع الروح.وسواء آمن العلم الحديث أو رفض بنزعته الإلحادية، قصة الوجود في تاريخ النبوات، واستقلال التخلق الإنساني، أو ظل في خديعة عقل القرد المتطور، فالسؤال قائم حتى الساعة، والقرد لا يزال قرداً، بغض النظر عن انثربلوجيا البيئات، وتغير الجينات لأسباب وراثية أو مرضية، أو كون أن بعض الحاجات مشتركة بين الحيوان والكائن العاقل، وهو التعريف الأكثر انضباطاً للإنسان، فهو ليس حيوان ناطق، ولكن كيان بشري عاقل خلق في مساره، فهنا لا يملك المنكرون جواباً علمياً ولا تفسيراً أخلاقياً لاختلاف تعقله.وعليه، ومع كل الدلالات الكبرى، كيف نُنحي مركزية الروح وأثرها في المعرفة، وهنا يبرز لنا بقوة أول عناصر الفارق للمعرفة الجديدة، وكما قلنا آمن العلماء أم جحدوا، هناك مصدر معرفي عبر هذه الروح، وعليه فلا يمكن للفلسفة الأخلاقية تجاوزه.لكن المهم هنا هو مجادلة هذا التاريخ الممتد، ومناقشة القدسية التي أُسبغت على العلمية الإلحادية، من أين لكم شرعية تنحية الروح، وحينما نحيتموها، ماذا فقدت المعرفة الحقيقية، وماذا فقد العالم من أخلاقه؟
أغسطس 26, 2025
