رحلة في المؤتمر القومي لمسلمي كندا
مهنا الحبيل
كان من أول ما يأخذني بين قراءة العقل ووجدان الروح، ذلك الزحف الذي انضمُ له أو انظر إليه من بُعد، في ذالك الحشد الذي ينتظر كل عام المؤتمر السنوي لإحياء الروح الإسلامية في تورونتو، والذي اشتهر ب مؤتمر ال RIS حتى أن البعض نسي عنوانه الأصلي، كنتُ أغوصُ بين مسلمي كندا، بل والقادمين من الولايات المتحدة الأمريكية، لحضور هذا المؤتمر، من الجمهور، ومن الضيوف المشاركين بتقديم الفعاليات، حتى أن البعض يراه مؤتمراً قوميا لكل أمريكا الشمالية، وهي وقفة دقيقة جداً في هذا الزمن، بل في هذا العام. فلم يعد استهداف المسلمين في
الولايات المتحدة الأمريكية، منظومة سلوك أو إجراءات يمارسها بعض الضباب أو الموظفين، أو حوادث منفصلة لليمين العنصري، بل أصبح قانوناً عاماً عرفياً يتبناه البيت الأبيض، وحين نقول أنهُ قانونٌ عرفي، ليس لعدم صدوره من جهات رسمية، فهذه القوانين تصدر بقرارات من البيت الأبيض، أو فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن هذه اللحظة الصادمة، تُعيد بعض الأوساط التذكير فيها، بأنه موسم متعلق بتطرف الرئيس الأمريكي الحالي، وأنهُ قد تطوى صفحته، وهناك شكوك كبيرة على هذا التفاؤل.
بالمحصلة فإن مطاردة المهاجرين وخاصة الشعوب المسلمة، لم تتوقف عند الصومال ولا الحملة البذيئة الوقحة عليهم، ولكنها تتطور كل يوم، وتشمل نزع الجنسيات الامريكية، وسحب الإقامات الدائمة، وترحيل اللاجئين، وهكذا فإن البيت الأمريكي، يحطم الحقوق الدستورية والضمانات الحقوقية، التي ظلت غطاءً يعتز بها أنصارُ العالم الجديد. ولكن أقدام ترامب ووزراؤه، تمزقها شذراً مذراً، وسواءً ثبّتنا هذه الحقيقة، بحكم أنها ضمن صعود اليمين المتطرف، ورِدّةُ الدولة الغربية الحديثة إلى فلسفة التقدم الإبادي، أو كانت كما ينادي بيرني ساندرز، الزعيم اليساري الأمريكي في الحزب الديمقراطي، بأنها لحظة هيمنة الملوك التي سيسقطها الشعب الأمريكي، فالنتيجة على الأرض واحدة. وهو
ما قصدتُه من تحول كندا في مؤتمر إحياء الروح الإسلامية، في دورته لعام 2025م، وأنها أخذت بعداً يَدمجُ هموم الناس الروحية والفكرية في كل القارة الشمالية، لكن الوضع في كندا مختلف، رغم وجود قرارات خطيرة، تستهدف حقوق المسلمين المدنية، وهويتهم الأخلاقية وضميرهم الديني، لكن المرجع الدستوري صامد.
بل إن هناك تقاطع اسلامي كندي، مع معركة رئيس الحكومة الكندية مارك كارني، الذي يخوض اليوم حرباً استراتيجية، حقق فيها تقدماً نوعياً لصالح إنقاذ كندا، من التنين الأمريكي المتقلب، ومن هجوم ترمب المتعدد على أوتاوا وتلويحه، بضمها الى بيته الأبيض.
نجاح كارني في صناعة جسور متعددة اليوم، تمر باختبار صعب لو صمد، وكما أعلن الرجل فهو يُخطط ليُخلّص كندا، من ربطها الخطير تاريخياً بسلة السوق الأمريكي، وحين قال كارني أن العالم لن يقف رهن القاطرة الأمريكية أغضب ترمب، لكن كارني كان قد استنفذ محاولات استرضاء الدب الأحمق، وبدأ مهمة هادئة لصناعة استقلال نوعي، واسع الجغرافيا، هذه اللحظة التاريخية تؤثر على المسلمين في أمريكا الشمالية، وخاصة تفعيل معنى مواطنتهم واستثمار التحديات الوطنية الجامعة، في اثبات ذاتهم.
هذا المؤتمر ينعكس في الجانب الإيجابي بين كندا ومسلميها، وسأروي تفاصيل مهمة في هذا المدار، دون أن يُعتبر هذا الوضع محل طمأنينة مضمونة استراتيجياً، فرياح اليمين الغربي، لا تزال تعصف بالمنطقة، وحصار الذات المسلمة من التطرف اليساري الجندري، مع هذا اليمين لا يزال تحدياً قائما.
لكن اللوحة الكندية الجميلة باقية، ومن خلالها تشهد تلك الجموع في المؤتمر، أفراداً وعائلات وأطفالهم تملأ أقسامه وممراته وقاعاته.
تلاحظ هنا تعدد مجتمعات المسلمين واصولهم، وتنظر الى المتدينين وغير المتدينين، في المظهر حسب الصورة النمطية، تشاهد المحجبات وغير المحجبات، والشباب بسلاسلهم أو بلحاهم، هناك بئرٌ يتعطش له الجميع، في انتظار إجازة العام السنوية في أعياد كندا، وإقامة هذه الخيمة الكبرى، هي خيمة في مبنى ضخم من أهم مباني المؤتمرات في كندا، غير أن المقصد معنوي، أنها بيتٌ لبلغة الروح التي ينتظرها مسلمون كنديون كل عام. إذن أول ما يلفت نظرك، هو أنك في المؤتمر بين حشود مجتمع لا جماعة، ليس الأمر محصوراً في جماعة سياسية ولا مذهبية ولا دعوية ولا صوفية، وبالمناسبة كندا فيها كل اشكال هذه التجمعات، ولكن في حالة ال RIS هناك سقوط لكل هذه الحدود، هذا المؤتمر لا يخلو من جدل صعب عليه، منها أنهُ يعتمد على ممول مادي للرعاة لا التبرعات، وكل من رأيت شركات كندية، وبالتالي تضع شعارها لتُبرز رموزها في المؤتمر، وهذه ليست نقطة سلبية بل استثمار ذكي، ومنها أنهُ يتجنب السياسة في كل فعالياته، وهذا أمر سنعود لنقاشه هل هو أمرٌ سلبي حقاً؟
