مهنا الحبيل
إحياء الروح الإسلامية في الغرب
مهنا الحبيل
في حديثنا السابق عن مؤتمر مسلمي كندا السنوي فيم تورونتو، والذي يُختصر ب مؤتمر ال RIS، توقفنا عند خلاف وقع بين منظمي المؤتمر العرب، والأخوة غير العرب، كان الخلاف حول تحويل المؤتمر في بعض أنشطته إلى منبر سياسي، يعكس الصراع الصعب في الوطن العربي، بعد الثورات المضادة للربيع العربي، وهو ما توسّع في مواجهات سياسية معقدة فيما بعد، واتُخذت منابر متعددة في تلك المواجهات، وبالتالي بدأت الإشكاليات المعقدة ترتد على مسلمي الغرب. كان الطرف العربي ونحن نقول العربي وغير العربي، ليس كوصف دقيق لكل أصحاب الموقفين في مؤتمر ال RIS، وإنما كتوصيف بالجملة، يريد أن يتبنى موقف أحد التيارات في مواجهته لأنظمة الثورة المضادة، على منصات المؤتمر، فيما رأى الطرف الآخر أن هذا التحوّل السياسي، سيُصعّب دور المؤتمر في مهمته الأساسية، والتي يُعبّر عنها عنوان هذا المقال، وبالتالي فجردُ خسائر هذا الخيار على مستوى البلاغ المعنوي، يُبرز حالة توتر، تمنع من الاستقرار النفسي وسُقيا الروح الإيمانية، التي تحققها أنشطة المؤتمر، فانقسم الفريقين وخرج الفريق العربي من المنظمة. إن القضية هنا لا تشمل في تقديري، سؤال السياسة في الفكر الإسلامي، إذ أنك لا يمكن أن تعزل الواقع السياسي، عن أوضاع الأمة، وهل مذبح غزة إلا أحدها في المشروع الصهيوني، الذي قادته السياسة بين المركز الغربي، وبين تل أبيب، ولكن غزة لم تكن غائبة عن النسخة الأخيرة من المؤتمر، لا في خطبة الجمعة التي افتُتح بها المؤتمر، ولا في دعاء المتحدثين في الفعاليات، والأهم أنها حاضرة بين أجنحة معرض المؤتمر، ومن خلال الجمعيات الكندية المختصة، بالغوث الإنساني لأهل غزة. قبل أن نستأنف الحكاية أود أن أشير إلى مقطع رايته مؤخراً، لتكر كارلسون، كان ضيفاً فيها في بودكاست أمريكي، وكارلسون هو أحد أبرز شخصيات اليمين الأمريكي من اليوتيوبرز، المؤيدة للرئيس ترمب، والمؤثرة في قاعدة ماغا، وهي الحاضنة الشعبية الأكبر لليمين المتطرف في أمريكا، والتي عبرها صعد ترمب الى قوته الجماهيرية، التي اجتاح فيها الانتخابات الرئاسية الأخيرة. غير أن تكر كارلسون بدأ يبتعد عن ترمب، ويُغطّي المشهد الداخلي الأمريكي، بعين متجهة الى الشرق الأوسط، بسبب حجم تداخل الدور الصهيوني في السياسة الأمريكية، وردة الفعل الشعبية أمام مشهد غزة، وقد اعتبر كارلسون الذي يتعرض لحملة إسرائيلية شرسة اليوم، أن العدو الأول هو استنزاف الأمريكيين لصالح المشروع الصهيوني، وهذه قفزة كبيرة في حالة اليمين الأمريكي. هنا نحن نتجه إلى حالة فكرية جديدة، صداها في اليمين الغربي، وفي عموم الذات الغربية في أمريكا وأروبا يتعاظم، لقد كان تعليق كارلسن بعد زيارته لقطر والسعودية ولدول أخيرة في المنطقة، وكان يتحدث بانبهار كبير، عن بقية الروح والقيم الفطرية، ودفيء الإيمان في الشرق العربي، مع أن بعض الدول التي ذكرها كارلسون في جولته، يكاد الإسلام يتوارى فيها من أي مشهد مركزي أو اعتناء ثقافي، غير أن مجرد رصده لبقية الروح وأثرها في النفس الشرقية العربية المسلمة شدت كارلسون، وبالذات في مسار القيم وفي نبض الإيمان، وهو يؤكد أنني مسيحي من أصول غربية عميقة، ولكنني الحظ بقوة غياب ذالك الدفيء وتراجعه في الغرب، وهو بقية الروح والفطرة التي يتنفس بها الشرق. إن كارلسون لم يحضر المؤتمر ولا علاقة له به فما الرابط إذن؟ هناك حكاية أخرى برزت في وجدان وعقل المسلم الغربي الجديد، في قضية الروح وفي قلقهم، ونفرة بعضهم من طريقة إدارة المسلمين لحياتهم، التي تخالف القيم الأخلاقية التي وجدوها في الإسلام، وكثرة الصراعات والجدل، بل الكيد الشرس بين المسلمين ذاتهم، في الغرب. ولقد رصدتُ مؤخراً كباحث يعتني بأثر القيم الإسلامية في الحياة، والنفس المطمئنة في الأرض، أن هناك انسحابات متتالية من المسلمين الغربيين، بعيداً عن ضوضاء العرب أو غيرهم، واقصد هنا مجموعات الصراع المذهبية أو السياسية، واللجوء الى برنامج روحي وفكري، وعليه ستجد في الاندلس مجموعات مهاجرة متعددة تتجه الى تلك العزلة، وهي تجد في قصة الاندلس جاذباً روحياً، فهنا بقية التقاطع بين حضارة الغرب والشرق المسلم، وهنا نقل المسلمون الرسالة والحضارة الى الذات الغربية، فتشربت الأرض بها، وظل نورها رغم محارق محاكم التفتيش. وستجد هذا الانسحاب أيضا في مجموعات أخرى، ولقد حدثتني أحد الاخوات، من أساتذة الشريعة والأصول في تركيا، والتي تقوم بمهام سفر متعددة بين العالم المسلم والمسلمين في الغرب، أنها جلست لأحد المفكرين الغربيين المسلمين المشهورين، الذي اهتدى للإسلام من مدة طويلة، وأنه كان يتعامل معهم بتحفظ، ويستمع ولا يتكلم، ولهذا الموقف قصة عميقة نكملها في مقال آخر، مع رحلة المؤتمر.
