مهنا الحبيل
في تحريرنا للرؤية العالمية البديل التي تقدمها الفلسفة الإسلامية يُطرح سؤال كبير ومهم، كيف نعبر لهذه القاعدة الفكرية والعتبة الإنسانية المشتركة، لشعوب الأرض، وهناك تشكيك ممنهج وضخم حول الموقف من العبودية في التاريخ الإنساني، ويهدف هذا المقال إلى مناقشة الجذور التاريخية المتعلقة بالعبودية للعالم الحديث نفسه، قبل أن نطرح الرؤية الإسلامية. وهو ما يواجه باعتراض كبير أي ارث إسلامي تقصد؟ هل هو تاريخ الميراث الإسلامي الاجتماعي، بمعنى تاريخ المجتمعات الإسلامية، ودور الحكومات السلطانية في تكريس العبودية، أم أصلُ الشرائع الإسلامية ووصاياها الجلية، وتطبيقات الراشدين من الأمة، ثم تأثير توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم، في المجتمع المسلم للإحسان إلى العبيد، والمساوات معهم في الملبس والمأكل؟ وسنجيب عن سؤال آخر هل هناك نظام عبودية إسلامي في الأصل، أم نظام أسر حربي يضع الأسرى، في إطار عبودية مرحلي، يفتح له باب العتق والتحرير، وقد عُزّز بمركزية تعامل انساني متحد، مع من يملك هذا الأسير، ولم يكن هناك في الأصل الزامٌ للمسلمين لتطبيق نظام عبودية، بل كان ضمن خيارات الأسر المتعددة في حروبهم مع الآخرين. لكننا سنمضي الى مناقشة الإرث التاريخي في الغرب الحديث، حتى نعرض للفارق الدقيق في تشكلات العبودية، من العصر الروماني القديم، حتى عهد التنوير الأخير في الثلاثة القرون الماضية. وتاريخ العبودية في الرومان الأقدمين، هو نظام سخرة فائق التوحش، لا من حيث العدد الضخم للمستعبَدين، ولا من حيث سلوك التعامل، ولا من حيث التصنيف ضد المنزلة الآدمية، فكلها دلائل قطعية على أهوال ذالك النظام وطول زمنه، وأهمية هذا الاستذكار لكون كلا العهد الوثني والمسيحي للرومان، هو البناء الديمغرافي الأصيل، في ثقافة التحرير الغربي لفقه الدولة والمجتمعات، حتى الوصول إلى فلسفة التشريع، والتدوين الدستوري للدولة الحديثة. فهو إرث فادح في سفك كرامة الإنسان ودمه، وتاريخ إسبارطة ليس بعيداً عنه، وتعجب أن جملة من مقدمات البحث عن قواعد التدوين الدستوري والتعاقد الاجتماعي، في عهد التنوير الأول في القرن الثامن عشر، لم تكن تُعطي أي مساحة مستحقة لمناقشة روح الاستعباد المتوحش، في قبائل الرومان القديمة، وامبراطوريتهم. وهنا ننطلق لفهم العهد الغربي في زمن التنوير، أو الدولة اللبرالية المعاصرة كيف كان؟ يوثق الباحث معتصم العمور، نماذج مهمة لحركة النقد لمرحلة اللبرالية الغربية، وعلاقتها مع الذات الأخرى في مسار العبودية، نجد هنا المؤرخ الأمريكي غوردون س. وود، وجمعية دراسة وحياة الأمريكيين الأفارقة، والمؤرخ الفلسفي الإيطالي دمينيكو لوسوردو، قد عرضوا تفكيكاً لنماذج التوحش العبودي في مطلع التاريخ اللبرالي الغربي، ولا بد هنا من أن نشيد بكل رؤية منصفة لصالح معذبي الأرض، دونتها شخصيات فكرية وفلسفية في الغرب الحديث. أكانت في عالم الأكاديمية الغربية، أو في مؤسسات ومصادر المعرفة والتاريخ، فهذه مساهمة مهمة، في كشف حساب التاريخ الغربي الحديث وبغيه على الذات الإنسانية، ومقدمات مهمة للتحرير الأخلاقي من هيمنة الرؤية (الكونية) الحداثية، ورديفها الرأسمالي المتوحش. وإن كنا سبق أن عرضنا في مقالات سابقة، إشكالية ابتلاع القوة الغربية السياسية، وهيمنتها على الأكاديمية الغربية، والتخادم بينها وبين تلك الأكاديميات، في احتواء حركة التحرر الفكري والفلسفي، وبقاء سيطرة قوة المصالح على مؤسسات المعرفة الحديثة، وهو جانب إعتنى به فيلسوف الأخلاق المعاصر وائل حلاق، وخصصنا له فصلاً مهماً في كتاب جدل ثالث. أحد النماذج المفزعة التي توثقها هذه المصادر، هي أن من ضمن العقوبات القانونية، في جزيرة جامايكا (الإنجليزية) والتي ورثت لندن الاحتلال فيها بعد الأسبان، 1655 وبقيت مستعمرة بريطانية، حتى 1962 لعقوبة العبد، المستنزف المسحوق من السخرة الظالمة المتوحشة، هي أن يتغوط عبدٌ آخر في فمه، ثم يخاط على فمه لأربع أو خمس ساعات. فأي سلوك آدمي هذا، وأي نوع من التفنن في التعذيب والقهر، الذي يُصبّ على الأدمي المكرم، في تعريف القرآن لكل ذات بشرية، وما لفت نظري أن هذا العقوبة، ظلت سائدة حتى منتصف القرن الثامن عشر، بمعنى أنها عاصرت مقدمات التنوير الغربي، وكانت في ذروة صعود التساؤل نحو حاجة أوروبا الى الحياة الدستورية، كمونتسكيو توفي 1755 وجان جاك روسو 1778، والأخير كان ناقداً شرساً ضد الجيش الفرنسي، والطبقية الوظيفية التي تخدمه، وهذا يسجل له، وقد وثق موقفه ضد الغزو الاستعماري الفرنسي في كتابه إميل، غير أن مجمل الاستعراض التاريخي، الذي أصل له روسو وغيره لقاعدة انطلاق للتعاقد الدستوري، لا تجد فيها ذالك النقد المباشر لعهد العبودية الروماني والمستعمرات. وللحديث بقية
