مهنا الحبيل

لقد غاب الحراك الفكري والتشريعي الفلسفي، الناقد لعبودية الكولونيالية الحديثة في المستعمرات، في الغرب الأوربي والأمريكي، طوال القرون الثلاثة، التي عاصرت العهد الجديد للدولة، حتى بعد الثورات السياسية الكبرى، وحتى في التعامل مع الإنسان الإفريقي أو الملون، الذي بات جزءً من شريحة الوطن الذي استعبده قبل نشأة الدولة الحديثة، وعودة هذه الروح اليوم إلى الغرب ونحن في ختام عام 2025، أي نهاية الربع الأول للقرن الحادي والعشرين، في قضية العنصرية السياسية والقانونية والدستورية، التي يتبناها اليمين المتطرف، دليلُ على بقاء جذور الفكرة الأولى للإبادة والعبودية.ولكنه اليوم لم يعد يُعتبر متطرفاً، بل أضحى قوة سياسية حاشدة، وهو يُلاقي خضوعاً أو تماهياً أو تطابقاً من قوى يسارية غربية، اتحدت في التضييق أو محاصرة أو نزع الجنسية الوطنية (للملونين الجدد في الغرب الحديث)، لأسباب مختلفة تركز بعضها على طبيعة الاختلاف القيمي، أو تحتج بالأمن السيادي، الذي يُطبّق مطففاً على تلك الشرائح الملونة، وهو مؤشر مهم بأن تلك الروح الاستعبادية، لا تزال فاعلة في أوساط من الأمم الغربية، وهي تتوسع اليوم ولا تتراجع.لقد كان العبيد يموتون في جزيرة باربادوس، من الأعمال الشاقة التي يكلفون بها بعد 3 سنوات، وكان بيع الأطفال ونزعهم من ذويهم في عالم العبودية الغربية، يشمل الطفل ذو ثلاث سنوات. يستأنف معتصم العمور هنا رحلة توثيقه المهمة، بنماذج مختلفة من العبودية الضمنية، تؤكد جذور التوحش، وهذا له مسار رديف آخر، في قضية تعامل الأمم الغربية ذاتها، مع بعض الهجرات التي وصلت للعالم الجديد، في أمريكا الشمالية، من دول أوربية أخرى خارج هيمنة الانجلوساكسون، كالهجرات الإيطالية أو البولندية، وكيف تم التعامل معهم، ولم يوحدهم المشترك المسيحي والدور الكنسي في هذه العبودية، وعانوا من تضييقات عنصرية عديدة. نفهم موقف الكنيسة في نموذج دلل له العمور، والذي عرض له كتاب تفكك الزواج، ل دي. سي. غيبسون و ك. غيبسون وهو ضمن الدراسات المعتنية بنقد الحداثة الاجتماعية، وقد صدر الكتاب سنة 1993 عن دار ROUTLEDGE للنشر في لندن، ويدعم هذه الرؤية دراسة بيانات تاريخية اقتصادية نشرت في MEASURINGWORTH أنجزها غريغوري كلارك، وهو باحث انجليزي مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، واستاذ في جامعة كاليفورنيا – ديفيس (UC (. من ضمن هذه النماذج توثيق حالات تنتشر في أوساط الفقراء، في بريطانيا، لبيع الزوجات، من القرن السابع عشر حتى القرن التاسع عشر، وهناك اشارات لحضور هذه الحالات من القرن الثاني عشر في أوروبا، وأن هذا الواقع العرفي الذي يحل مكان القانون*، تمارسه كنائس في إنجلترا، للتخلص من مسؤولية إطعام الكنيسة للفقراء، واستبدال الطلاق المستحيل بهذا البيع. لقد توقفتُ بدقة في مناقشة هذه المصادر المشار إليها، في مسألة بيع الزوجات في أوروبا الحديثة، ونحن نتحدث عن إنجلترا بعد انطلاق، حركة التنوير 1740 م، كما يؤرخها متحف بريطانيا العظمي في لندن. والخلاصة أن هناك ما يكفي لاعتبار هذه الوقائع، حالات متكررة، وتسود في أزمنة متعددة، في بعض المجتمعات الفقيرة، وإن لم تصل إلى مستوى الظاهرة، واتضح بعد مناقشة دقيقة مع الباحث معتصم العمور وكتابه المخطوط، دقة أن بيع الزوجات وإن لم تكن ظاهرة واسعة، لكنها حالة عرفية منتشرة. وأن القول أنها تخص طبقات الفقراء، هو في ذاته تأكيد لحجم ما تتعرض له المرأة من استعباد فظيع، حيث إن الفقر هم الحالة الواسعة في إنجلترا، ذالك الزمن، وأن طبقات الأثرياء (النبلاء) هي اقلية صغيرة، ولقد افردت وكيبيديا الإنجليزية، وإن لم تكن مصدراً لنا في هذه القضية، بيع الزوجات في إنجلترا بتصنيف خاص. إن هذا الملف صادم، ويحتاج إلى بسط ومناقشة، كما أنهُ يواجه اعتراضات، من حيث أن هناك في تاريخ المسلمين، بغي شرس في قضايا الاستعباد، وفي التعامل مع الإماء، وهذا المدار الجدلي المهم سوف نعود له للمقارنة، مع نموذج التاريخ الأوربي، أولاً لمناقشة دقة هذه الحالات وانتشارها، ثم إلى قضية التطوير القانوني الأوربي، المانع لكل صور الظلم والاستعباد والعنصرية. غير أنك لا يمكن أن تفصل جذور الفكرة الأمم التقدمية حداثياً، عن هذا التاريخ، ولا عن سقوط المرجع الأخلاقي في التعامل مع الذات الغربية نفسها، وكيف أنها تعود في دورات الحداثة لممارسة البأس الشديد، على الطبقات المسحوقة. إننا إذ نستدعي هذه المرجعية، نذكّر بالفارق الدقيق للحضارة الإسلامية، في مشترك الروح والمركز الأخلاقي، الذي تعبد الله به المسلمين، وكل اتباع النبوات، وأن هناك فرق بين شريعةٍ منظمة محكمة، وتطبيقات رشيدة لها، ونماذج أخلاقية إنسانية، جعلت من العبيد مع حق مكاتبتهم، للعتق والحرية، شخوصاً تتصدر في العلم والموعظة، وقيادة المجتمع وتعظيمه لها، وبين آثام تاريخ الغرب القديم والحديث.• عام ١٧٨٤، رفضت محكمة مكونة من هيئة محلفين في Lincolnshire طلب رجل أن تعود له زوجته بعد أن باعهاClark, Anna (1997), The Struggle for the Breeches: Gender and the Making of the British Working Class, University of California