Categories: مقالات

الأكاديمية التركية والمواجهة المعرفية مع الغرب

الأكاديمية التركية والمواجهة المعرفية مع الغرب

مهنا الحبيل

رغم عزمي القديم لقصد الشرق التركي، لم تتح الفرصة لكثرة الارتباطات الاجتماعية والفكرية في اسطنبول، هذه المرة قادتني الأقدار إلى فرصة جيدة في مدينة سيرت التركية، كان مقصد الرحلة هو تلبية دعوة كلية الإلهيات في جامعة سيرت، للمشاركة بورقة في مؤتمر الاستغراب، الذي عُقد في مقر الجامعة 14-16 من أبريل نيسان الماضي.

كان الجدول مزدحماً ومؤنساً وكرم الروح والمشاعر متدفقاً، لدى الإخوة المضيفين، مع فرصة لقاء نخبة فكرية مميزة من حاضر العالم المسلم.

تلك المدينة ذات الغالبية الكردية من أشقائنا أكراد تركيا، بدت لي حميمية المشاعر، متفاعلة الوجدان، متقدمة في وعي بعض مسارات الجدل المعرفي المهم بين الشرق والغرب، وكان المفكر الإسلامي التركي البارز والمهتم بقضايا الشرق المسلم، د. ياسين أقطاي قد أبلغني عن هذا المؤتمر، في لقاء مسبق وأكد أهمية حضوره، كانت الطائرة مزدحمة، ولكنها منظمة، هبطت في مطار باتمان المدينة القريبة من سيرت، ولم أكن أعلم أن د. ياسين وبعض الإخوة من أبناء سيرت المقيمين خارجها، معي على متن الرحلة.

كعادته وما يعرفه الناس في تواضعه وكرمه، بادر د. ياسين بدعوتي والإصرار على مرافقتهم، فكان أول محطاتنا العشاء معهم في منزل أحد أقرباء د. ياسين، وفي التعريف الجميل المبسط بالحضور، قال لي د. ياسين أنت هنا في منظومة وحدة إسلامية تركية، فهو من أصل عربي وهناك إخوة أكراد وأناضوليون وآخرون، جمعهم البيت التركي الكبير

مجلس افتتاحي جميل ثم رحلة برية تناقشنا فيه عن فيها إصدارات المكتبات الأخيرة، ذات العلاقة بالتراث والسيرة النبوية والجدل الحضاري، لفت نظري تركيز د. ياسين المهم على قضايا الحوار الأخيرة، وعلى حرصه المشكور الذي انعكس في محاضرته المهمة في المؤتمر، على تحقيق مسارات جامعة رشيدة، في وعي رحلة التجديد الإسلامي الذي أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم، في سبيل قوة معرفية فارقة للشرق المسلم، تساهم في خروجه من محنته القديمة، وتمزّق أوطانه وضعف قوته، تعيد إليه الريادة الفعلية في الفكر، وليس في صخب العاطفة. كان الاستقبال الجميل البشوش الكريم في سيرت، من خلال مساعد رئيس جامعة سيرت د. جمال الدين إردمجي، وعميد كلية الإلهيات د. فاضل إيغان ومنسق المؤتمر د. حسن وجمع من الإخوة، كما هو ذالك اللقاء الجميل في استقبالنا من رئيس الجامعة د. نهاد شندق في مكتبه، شدني فيهم ذلك التواضع الممزوج بالحب والتقدير لضيوف المؤتمر، والتنظيم الدقيق والمتعاون مع ظروف الضيوف ورحلاتهم، كما استوقفني حرص أبنائنا وبناتنا وبعض أساتذتهم على الاستفادة من مواد المؤتمر، وفعالياته الكثيفة في عدة مسارات لقضية الاستغراب. وكان من أجمل ما هيأهُ لي المؤتمر، لقاء نُخبٍ من حاضر العالم المسلم، وخاصة رفيقي الافتتاح ويومي البقاء التي قضيتها في المؤتمر، د. محمد ممتاز علي، وهو بروفسور هندي من الجامعة الإسلامية العالمية في كوالالمبور، والنبيل البوسني د. محيي الدين من جامعة سراييفو الدولية.

هذه الفرص الرائعة نادرة التكرار، مع وجود حشد من المحاضرات، التي وددتُ أن توزع على علوم أكثر تحديداً، واختصاراً في تلقي المعرفة المتاحة، وتقسيم مسارات الاستغراب لعدة مؤتمرات، حتى يأخذ كل مسار حقه من التناول، وخاصة ما أعدّهُ ركيزة الجدل العالمي اليوم، والأكثر أهمية وارتباطاً بمآل العالم الأخلاقي، وهو مسار الاستغراب المرتبط علمياً وفكرياً، بالفلسفة الأخلاقية الإسلامية، وأعتقد أن محاضرة د. ياسين تساهم في تنظيم الترصيف المعرفي، لمجادلة الغرب عبر علم الاستغراب.

ولقد فوجئت قبل هذا المؤتمر وفي أوساط أكاديمية مسلمة وبُنى شرعية، بحجم الجهل في المعنى الأساسي لعلم الاستغراب، وأنه علم ينشأ في رحلة بحث شرقية إسلامية، تتخذ المعرفة والميزان الأخلاقي العدلي في النظر إلى حضارات الأمم الغربية، دون أن تُسقط جوانب الإنجاز المهمة، وهذه القاعدة وردت في محاضرة د. أقطاي، في حين يعتقد البعض في خطأ كبير أن علم الاستغراب يستدعي، إعادة ترويج العلوم الغربية. وهذا يخالف أصوله وقواعده في مفهوم الاستغراب الذي تحكمه المفاهيم الإسلامية، فهو علم نقد ونقض، يتخذ من أصول الشريعة وفلسفة الأخلاق الإسلامية مصدر تنظيم علومه وإشهار نظرياته، لعالم المعرفة الجديد، المستقل عن المادوية الصلدة، وهيمنة الأكاديمية الغربية المتأصل فيها، روح الاستعلاء المضلل والمصالح المتوحشة.

ما يعنيني هنا كخاتمة مهمة لرحلة المؤتمر أضطر فيها لتجاوز عناصر ورقتي، حيث أعوّض الحديث عنها في مواد أخرى، أن المؤتمر الذي شهدتُه في جامعة سيرت، مع المؤتمر المشابه له في إسطنبول، الذي ساهمت فيه السيدة سمية أردوغان بيرقدار، يمكن أن يكون عتبة انطلاق أكاديمي لمواجهة أخلاقية حضارية، تقدم رؤية إنقاذيه للمستقبل العالمي، كمساهمة تاريخية للفلسفة الأخلاقية الإسلامية.

mohana63

Recent Posts

النموذج البلجيكي في الجدل الحضاري

النموذج البلجيكي في الجدل الحضاري مهنا الحبيل في ختام رحلة بروكسل عادت قصة عالم الأفكار،…

6 أيام ago

بلجيكا بين قصتين

بلجيكا بين قصتين مهنا الحبيل أول مفاجأة سلبية في رحلة القطار السريع من لندن إلى…

6 أيام ago

تغطية الإسلام بين الغلو التراثي والغرب الأكاديمي

تغطية الإسلام بين الغلو التراثي والغرب الأكاديمي مهنا الحبيل لقد كان من المهم أن أطالع…

4 أسابيع ago

الباحث الغربي بين السُنّة النبوية والنظر العقلي

الباحث الغربي بين السُنّة النبوية والنظر العقلي مهنا الحبيل يطرح د. جوناثان براون رؤية نقضية…

شهر واحد ago

سكينةُ الفجر في لندن وحوار متحفها مهنّا الحبيل في برنامج الجولة الأوروبية الأخيرة بين لندن…

شهر واحد ago

مشاهدات وأفكار بين لندن وبروكسل

مشاهدات وأفكار بين لندن وبروكسل مهنّا الحبيل هذه المرة تساءلت: هل ستبقى لندن من المدن…

شهر واحد ago