نموذج د. شحرور في فلسفة وائل حلّاق
مهنا الحبيل
كانت لحظة التحول الكبير لوائل حلاق في مسيرته الأكاديمية، ذات علاقة بالروح كما توقعت، لقد أصيب بالمرض العضال في حالة متقدمة، غير أن برنامجه العلاجي المكثف ووقوف زوجته العظيمة معه، ساعد في التشافي، الذي أكرمه الله به، روى لي حلاق هذه القصة بمشاعر عاطفية، ولكنه ربطها بالبحث عن العلم الآخر في هذه الأرض، وعليه كانت حالته المرضية مقترنة برحلته مع التراث في كتابٍ للإمام ابن تيمية، وهذا ما يعني أنه في لحظة ما من عمر الفيلسوف، قد يتوجه بعضهم فيها الى المغفول عنه في علوم الكون، وان اكتشاف حلاق لقصة أخرى عن تاريخ العالم، لها علاقة بنزع وجداني ذاتي، وقرار تحدٍ معرفي.
في قصة ربطه مع د. محمد شحرور وهو باحث سوري سأضع تعريفاً عاماً، لما يمكن أن يُدرج نموذجه فيه، دون أن اتوسع في نقد منظومته الاستدلالية، وما أراه أزمة معرفية لشحرور وغيره، تقوم على صدمة العقل المطلق للعالم الحديث، وتأثيرها في تفسير الشريعة الإسلامية، ولدقة هذا الموضوع وحساسيته وأخطاء د. شحرور الكبرى، فلن أقدم هنا رؤيتي النقضية والنقدية لمشروعه، التي تحتاج مادة موسعة، غير أني أشير إلى أن هذا النموذج، في إعادة تحرير الشريعة، تحت هذا النظام الدولي المعرفي، حُوّل في الواقع الى مبادرة تطبيع وتجسير، مع الكولونيالية الغربية في نسختها الأخيرة، بحسن أو سوء نية.
وهذه بالضبط الحالة الوصفية، لما عنيته في تناول كتاب وائل حلاق قصور الاستشراق، عن نموذج د. شحرور، ولكني هنا أشير إلى مسألة مهمة وهي الخلط الشرس، من تيارات تنسب الى الغلو التراثي أو التشدد السلفي أو التعصب المذهبي، تعمم ميزان الرؤية التي تعيد تصنيف هذا التوجه الإسنادي ل (الغرب)، لكي تنال بها من كل مصلحي الأمة، وقادة التجديد الشرعي، المتصل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهم سلسلة ذهبية عُرفت في تاريخ التشريع الإسلامي، ويسعى المتشددون لإسقاطهم، ثم إسقاط المدار الفكري العمراني.
فهذه النخب المتقدمة والمتأخرة، قدّمت أيضاً ما يُزيل ما علق بتاريخ التشريع الإسلامي، وما نُحل عليه من أباطيل، تخالف قطعيات القرآن الكريم وأصول الشريعة الكبرى، والفريق الاصلاحي الآخر منهم فعّل ما عُطّل من آثار النبوة، وأسرار الشريعة، مما يقوم عليه نظام الدولة والمجتمع، وفرزوا جرائم المستبد القديم والجديد، الذي صنع فقهاً مخالفاً لشريعة الله، وجعله ديناً على رقاب الخلق.
بعد أن تبين لك الفرق المهم بين نموذجين، أطرح هنا قضية معارضة كبرى سمعتها من بعض نقاد د. حلاق، وهي غياب الأطروحة البديل، حينما قدم في كتابه الدولة المستحيلة، عجز نموذج الدولة الحديثة عن استيعاب الشريعة، لتعارض فلسفي أصلي، فطالبه البعض بتقديم البديل، فرفض أن يكون ذلك من مسؤوليته، هذا الأمر ظل مؤثراً على علاقة بعض الإسلاميين مع حلاق، رغم أنه قد يتفق مع بعض طرح التيار التراثي، ثم عارضه البعض الآخر قبل أن تُطلق الحملة الأخيرة عليه.
والمهم هنا أنني أسعى لتصحيح مدار التداول لفلسفة حلاق، فحلاق بالفعل ليس مسؤولاً عن بناء ضخم غائب في عالم اليوم، يقدم فلسفة التشريع الإسلامي في الدولة وفي النظام الاجتماعي، وفي الحياة المعاصرة. بكل مساراتها.
إن تجريد الإرث الفقهي للأمة، وربط مراجعته بأصول الشريعة، ثم بالخيرية التي يحملها للفقه الإنساني البديل، عن القانون المادوي الصلد، وآثامه على المعمورة وسكانها، هو مهمة تحتاج إلى فريق في ميدان الفلسفة الأخلاقية، أولاً في التشريع الإسلامي والرؤى التأصيلية ومقدماتها الفلسفية، ثم في موسوعة القوانين والأعراف، والشرائع والنظم، والأرضيات الأخلاقية الصلبة، فهل هذه مسؤولية وائل حلاق؟
إن مهمته التي انشغل بها هي أن يواجه، طغيان العالم الحداثي، ويفضح علاقة الفلسفة الغربية المعاصرة بالإبادة والتوحش، ثم يعمل على نماذج من (التراث) تؤكد تفوق علماء المسلمين (أخلاقياً)، على منهجية المعرفة والتطبيقات التي نفذتها القوة الغربية في أكاديميتها، على عالم الإنسان المعاصر، من خلال هذه البوابة في الفلسفة الأخلاقية الإسلامية المعاصرة، ننظر الى جهود حلاق.
وعليه حين التقيته وكنت أعرف مسبقاً رأيه في نموذج محمد شحرور، سألته مباشرة عن كتابه الذي ورد فيه هذا النموذج، فقال نعم هذا هو موقفي، وهذا هو المنهج الذي انتهيت اليه، بعد تحولي الفكري المركزي، أما ورود شحرور في كتبه السابقة، فالرجل له في الحياة الاكاديمية قرابة النصف قرن، ومن الطبيعي كباحث مسيحي له نزعة يسارية، وعضو في مؤسسات أكاديمية غربية، ان تكون له تحولات فلسفية، فهل نحاسبه على الخطأ الذي صححه!
لكن الأهم هنا الذي اختم به، هو خطيئة الانشغال عن واجب التحرير المعرفي، في مسار البناء للفلسفة الأخلاقية الإسلامية، بإيقاد معارك مع خصوم الأكاديمية الغربية، وخاصة أن رحلة البناء تحتاج إلى جهود ضخمة، لا تزال معطلة، ولا يزال قطّاع الطرق يعيقون نهضة المسلمين.
من يحارب وائل حلاق في الغرب؟ مهنا الحبيل لم يحرص وائل حلاق على أن يعطيني…
حوار مختلف مع وائل حلّاق مهنا الحبيل قبل هيوستن، التقيت في نيويورك بوائل حلاق، أستاذ…
على مقربة من مونديال أمريكا مهنا الحبيل بين ملاعب الكرة وميادين المعرفة هناك رابط وصراع…
الأكاديمية التركية والمواجهة المعرفية مع الغرب مهنا الحبيل رغم عزمي القديم لقصد الشرق التركي، لم…
النموذج البلجيكي في الجدل الحضاري مهنا الحبيل في ختام رحلة بروكسل عادت قصة عالم الأفكار،…
بلجيكا بين قصتين مهنا الحبيل أول مفاجأة سلبية في رحلة القطار السريع من لندن إلى…