Categories: مواد فكرية

حاضر العالم المسلم وصراع المذاهب الجديد

حاضر العالم المسلم وصراع المذاهب الجديد

مهنا الحبيل

أضحت إسطنبول اليوم رواقاً فكرياً مهماً؛ فالأستانة تعود إلى مركز التقاطع الفكري في حاضر العالم المسلم. وأكتب هذه المادة وأنا أحرر عناصر إحدى الفعاليات التي تُنظَّم لصالح معرض إسطنبول الدولي للكتاب العربي، أغسطس 2026، وهو معرض شهدت تطوره في نسخة 2025م، ويجتذب مزيداً من الجمهور ومن الشخصيات الثقافية والدينية التي تحرص على اغتنام فرصة التدافع الفكري وعرض الآراء فيه، حتى بات، في تقديري، منافساً مهماً ضمن معارض الكتاب المتعددة في عواصم عربية، حتى من خلال القوة الشرائية؛ فمعرض الكتاب يجمع بين المقيمين العرب في تركيا، والأشقاء الأتراك المتحدثين بالعربية، والجمهور السياحي المتدفق في شهر آب/أغسطس.

ولكن ما يُعرض من كتب، أو مراجعات فكرية في إصدارات نقدية حديثة أو تراثية، ليس هو ما يمثل ثقافة التوازن الضروري، وخاصة في الميدان الفكري الإسلامي؛ وإنما هناك عواصف شرسة تعبر وجدان الشباب، وتؤثر فيها الكوارث الإنسانية والعواصف السياسية، وتُبنى من خلالها تكتلات معلومات، ولا أقول منظومات معرفة، يغلب عليها الانفعال ونزعات الغلو وفقه الصراع، لا فكر الوعي والبحث الرشيد.إن الفرق بين تعدد مدارات وعي الشريعة الفقهي، على سبيل المثال، الضخم في المكتبة الإسلامية، أو فهم عوامل الافتراق العقدي، سواء في فروع الاعتقاد بين أهل السنة، أو بينهم وبين الطوائف المسلمة الأخرى، أو قضايا الجدل في ميراث الشرق المسلم وتدافعه الفكري لإنتاج معرفة حضارية ضمت أهل الكتاب أو الملل، لا يستدعي اليوم السرد التاريخي والظرف السياسي، ولا فهم الحالة النفسية أو الاجتماعية أو البيئة المحيطة بهذا الإمام أو ذاك، وهذا خطأ كبير.

وإنما ما يصعد اليوم، مع الأسف الشديد، هو روح نزاع للإسقاط والتدافع غير الأخلاقي، والتقاط مسائل الزلل أو الغموض لجعلها تكية يُهاجَم بها هذا الإمام أو المفكر، خاصة حين يُغفل العامل السياسي أو الثقافي المهيمن في زمن تلك القضية الفكرية أو الحادثة السياسية، أو يكون استدعاء هذا الإمام أو ذاك بناءً على قوة تيار معاصر، حظي بدعم سياسي حديث، لاقتران مذهبه أو ثقافة شيوخه المرتبطين بالدولة بمذهب هذا العالم، أو ذاك المحدِّث، أو الفقيه أو الداعية. وهي ليست أحوالاً جديدة؛ فتاريخ حاضر العالم المسلم مليء، مع الأسف الشديد، بقصص اضطهاد العلماء أو حصارهم، بل قتل بعضهم وسجنه، أو الافتراء عليه وتشويه سيرته.

وعليه، فإن هذا المأزق المذموم قطعاً في شريعة الله عز وجل كان من أسباب تخلف الأمة وسقوطها؛ لأنه كان يُعزّز سلطة الاستبداد، ويكافح فضاء المعرفة، ويختزل العلوم العظيمة، في عطاء المسلمين وميراثهم، إلى مسائل صراع مذهبي وعقدي فرعي. والعجب اليوم أن يرتد واقع المسلمين إلى هذا الوحل، فتعود قضايا التكفير والمماحكات المذهبية، وتعلو على الناس منابر تافهة تتصدر القول باسم الله وشريعته، وهي نفس مملوءة بالأحقاد والجهل المركب. وهي ليست حالة مفردة بسبب ما شاع من تكفير الإمام النووي أو السيوطي أو الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، رحمهم الله جميعاً.كلا..

الأمر أوسع من ذلك؛ فنحن نتحدث عن مسارات ومدارات شرعية تَفرضُ على طلابها معيار فرزٍ شرس، يدور حول التكفير أو التضليل أو الإسقاط الخطير، الذي يرفض قبول الغالبية الساحقة من علماء الشريعة في مدار المذاهب الأربعة أو غيرهم، ويقرر على أتباعه، في مفاصلات عقدية حرجة، أن هذه الفئة وهذه الجماعة من العلماء، ليسوا من أهل السنة ولا أهلاً للعقيدة. وحتى لو أنكر هذا الشيخ أو الموجّه أو الداعية، مستوى تطرف شرس في التكفير من جاهل مشيخي، فهذا لا يعالج أصل الأزمة في استدعاء الصراع المذهبي بين أهل السُنّة، والذي يؤسّس عليه تهيئة ازدراء ورفض لتيار أو مدرسة كاملة من مناهج أهل السنة.

وهنا أحدد نماذج لفهم الأزمة التي نعيشها اليوم، في زمن التخلف الكبير، وحين نقول هو تخلف، نعم هو كذالك في تخلف الأمة عن الهدي الأخلاقي، والهدي التشريعي، والهدي العمراني، الذي يؤسس على منهاج النبوة وأصول الوحي، ولذالك الأمة في حالة ضعف، وواقع الناس يواجه ضغوطاً في فهم دينهم، واضطرابات شبابية هائلة، بين الإلحاد والشك، هذا غير حملات الغزو الفكري الخارجي أو حتى الداخلي، الذي تبعثه الشكوك بين شعوب المسلمين في قضية العبودية والرق مثلاً. أو في قضايا المرأة وغيرها، وقد يحتج البعض بكثرة مقاطع السوشل ميديا والإعجاب بالإسلام في الغرب، والحقيقة أن هذه الظاهرة وان كانت في أصلها حقيقة، لكنها لا تعكس واقع استقرار إيماني ولا أخلاقي في حياة المسلمين الذاتية، ولا في علاقاتهم مع بعضهم، فضلاً عن تفرق دولهم وأمصارهم لصالح المستعمر الغربي، الذي كان سياسياً وعسكرياً، ولا يزال استعماره الكولونيالي حاضراً.

mohana63

Recent Posts

ابن تيمية أم الغزالي؟

ابن تيمية أم الغزالي؟ مهنا الحبيل لقد مهدتُ لمادة اليوم بالمقال السابق، حين استدعيتُ واقع…

16 ساعة ago

النظام الدستوري الإسلامي والعقد الاجتماعي

النظام الدستوري الإسلامي والعقد الاجتماعي مهنا الحبيل صدر مؤخراً كتابي الأخير، الرؤية الإسلامية للعقد الاجتماعي…

16 ساعة ago

بيتُ أُمي في طريق سلوى

بيتُ أمي في طريق سلوى مهنا الحبيل خلال نزولي مؤخراً إلى الدوحة، لتقديم العزاء في…

16 ساعة ago

نموذج د. شحرور في فلسفة وائل حلاق

نموذج د. شحرور في فلسفة وائل حلّاق مهنا الحبيل كانت لحظة التحول الكبير لوائل حلاق…

4 أسابيع ago

من يحارب وائل حلاق في الغرب؟

من يحارب وائل حلاق في الغرب؟ مهنا الحبيل لم يحرص وائل حلاق على أن يعطيني…

4 أسابيع ago

حوار مختلف مع وائل حلاق

حوار مختلف مع وائل حلّاق مهنا الحبيل قبل هيوستن، التقيت في نيويورك بوائل حلاق، أستاذ…

شهر واحد ago