Categories: مقالات

مستقبل سراييفو السياسي

مستقبل سراييفو السياسي

مهنا الحبيل

لا شك في أن تركة اتفاق دايتون في النظام الدستوري الظالم للمسلمين، ثم تهديدات صربيا المتوالية، بما فيها حشد جيشها على حدود البوسنة، مصدر قلق كبير، رغم النموذج التاريخي العظيم الذي قدمه المسلمون لطي صفحة الدم المتوحشة.

والحقيقة أن هذه النزعات الدموية ليست غريبة عن أوروبا المسيحية ولا الحداثية، نقولها بمهنية فكرية مطلقة، لا بمعايير دينية منحازة، ويكفي ما قدمناه من توثيقات في مقالاتنا وكتبنا حول هذه الحقيقة.

لكن دعونا نكمل الحكاية، لنعرف المآل الأخير المتوقع لتوترات منطقة البلقان، التي ظلت قديمًا على صفيح يغلي حتى انفجرت عالميًا، وهي اليوم على مقربة من خطوط التماس في الصراع الغربي الأوروبي، والغربي الأرثوذكسي الروسي، وكأن عقارب الزمن تعود وتُسائل أوروبا في ذاتها: أين قيم أوروبا الحديثة، وكل منتجات الحداثة، أمام عودة النزعات القومية والدينية، في ذات الزمن الذي انتهى إليه عالمها الحديث بإعلان الإنسان الإله؟

في آخر المساء، وقبل صلاة المغرب، مرّ عليّ رفاق أهل الخليج العربي، في جلسة تطفئ الظمأ وتعيد الزمن وتشرق لها الروح، وقد سألتهم، وخاصة أنهم تملكوا في سراييفو شققًا للسكن السياحي والزيارات المتعددة: كيف تجدون إقامتكم هنا؟

قالوا: طيبة جدًا.

وكيف ترون تعامل السكان الصرب والكروات معكم؟

قالوا: العلاقة طيبة، ونحن ننسجم مع موقف مسلمي البوسنة، وندعم بكل تأكيد مشروع التعايش الذي رصّف له وأنجزه الرئيس الفيلسوف رحمه الله.هناك ارتياح إذن لاختيار البوسنة من الأسر الخليجية وغيرها، ولكن هناك قضية إدارية مهمة، وهي منع التملك للمنازل إلا من خلال تأسيس شركة، أو ترك المنزل باسم صديق بوسني، وهذه معوقات أخرى تحجب الفرص الاستثمارية عن البوسنة، مع التأكيد أن هذه المشاريع يعمل فيها الصربي البوسني، كما يعمل فيها الكرواتي البوسني، إضافة إلى البوشناق المسلمين، غير أن التعقيد الرئاسي مرتبط بنفوذ بلغراد.

هنا نعود إلى الحكاية التي بدأناها في المقال السابق، وهي أن فرصة الانفتاح على النمسا التي أُضيعت عام 1887، والاستفادة من قلقها من الإمبراطورية الروسية والتطرف الصربي، عقّدت الوضع الجيوسياسي على البوسنة.

بل إن اغتيال ولي عهد النمسا كان تحت مصلحة وظيفية لهذه الإمبراطورية، حيث نفذت من خلالها مجموعة شباب صربي، مع مشاركة رمزية بسيطة من المسلمين، العملية تحت اسم منظمة شباب البوسنة.

والعمل المقاوم عمل مشروع ضد المحتل، غير أن هذه العملية لم تكن حالة وطنية قومية ضد محتل بالضرورة، وإنما روحًا أيديولوجية تقاتل لصالح مشروع آخر، وكلا الطرفين محتلان لإقليم البوسنة.فيما كانت مصالح المسلمين في وقت حرج جدًا أقرب إلى فيينا، ولم تكن مطلقًا مع موسكو وبلغراد، وهذا ما ثبت بعد الاجتياح والتنكيل والإبادة التي تعرض لها البوسنيون، منذ الأربعينات حتى مشروع ذبح سراييفو الأخير، الذي قاده مجرما الحرب رادوفان كارادجيتش، والرئيس الصربي السابق سلوبودان ميلوشفيتش.

وهذا يعيد بسط المجهر الفكري في أزمات العالم الإسلامي ومآسيه، وقصة الفقه السياسي والفكر الاستراتيجي.فكما أن فتوى مشيخة الإسلام في الأستانة، بالجهاد في الحرب العالمية، كانت كارثة انتهت بمئات الآلاف من الضحايا المسلمين، من غير ذنب ولا مسؤولية، وكانت السبب التنفيذي الأكبر في سقوط الدولة العثمانية، أي دخول هذه الحرب، فكذلك فتوى الأستانة بوجوب هجرة المسلمين بعد احتلال النمسا للبوسنة، وهي حوادث تحتاج إلى توقف عميق ومراجعة دقيقة للتاريخ.

المهم هنا هو أن ما سمعته من الأطراف البوسنية يحمل أملًا كبيرًا، وقبل أن أُفصح عن هذا الأمل، أقول إن مسلمي البوسنة لديهم، حسب ما رأيت، استشراف حذر لأي مقدمات عودة تستهدف استقلالهم المتبقي.

فهم، مع حرصهم على تثبيت السلم الأهلي والتعايش مع مواطنيهم، لا تغيب عنهم إمكانية الغدر الذي قد يأتي من بلغراد، أو من حسابات الصراع الغربي الأخير في حرب أوكرانيا.

إن الفكرة هنا أن أوروبا تعاني بالفعل من قلق التفكك، ومن شعور بالضعف، بعد أن كشف الرئيس الأمريكي ترامب ظهرها أمام العالم. وبالتالي فإن البوسنة اليوم معادل استقرار مهم لكلا الطرفين الغربيين في الناتو، وإن كان ذلك لا يعني الثقة بهما، لكن المخاطرة بحرب تقسيم أو استيلاء أهلية، تفجرها الأرثوذكسية الجديدة، مشروع نار ملتهب مرشح لأن يصل إلى كل أوروبا.

وهنا، حسب جنرالات المقاومة، ستكون مصلحة الغرب مع صمود البوسنة لا تقسيمها، وهو ما يحتاج تثبيته إلى بنية اجتماعية قيمية إسلامية قوية، ومنظومة عمل سياسي متقن للمسلمين البوشناق. وقد لاحظت الاهتمام بها لأجل جيل حكيم غيور يرث حضارة بيغوفيتش الإسلامية، وصيانة السلم الأهلي مع الشركاء غير المسلمين، وقوة الروح الممانعة للدفاع عن سراييفو الأوربية المسلمة.

mohana63

Recent Posts

البوسنيون والتقاطع الحضاري العالمي

البوسنيون والتقاطع الحضاري العالمي مهنا الحبيل تجاوب فريق مطار سراييفو بسرعة مع ازدحام صالة المسافرين،…

4 ساعات ago

العودة إلى سراييفو

العودة إلى سراييفو مهنا الحبيل غالباً لا يمكن لأي إنسان على هذه الأرض، حين يُذكر…

4 ساعات ago

الإجماع العالمي على حسم الغزالي

الإجماع العالمي على حسم الغزالي مهنا الحبيل لقد كان الإمام الغزالي متصدراً في مدارس الفلسفة،…

4 ساعات ago

معركة الغزالي مع اللاهوت الإغريقي

معركة الغزالي مع اللاهوت الإغريقي مهنا الحبيل نُركّز هنا في هذه المادة العلمية على فهم…

4 أسابيع ago

ابن تيمية أم الغزالي؟

ابن تيمية أم الغزالي؟ مهنا الحبيل لقد مهدتُ لمادة اليوم بالمقال السابق، حين استدعيتُ واقع…

شهر واحد ago

حاضر العالم المسلم وصراع المذاهب الجديد

حاضر العالم المسلم وصراع المذاهب الجديد مهنا الحبيل أضحت إسطنبول اليوم رواقاً فكرياً مهماً؛ فالأستانة…

شهر واحد ago