الإجماع العالمي على حسم الغزالي
مهنا الحبيل
لقد كان الإمام الغزالي متصدراً في مدارس الفلسفة، عالماً بمداخلها، وبالتالي كان انقضاضه على مسائل اللاهوت باقتدار عالٍ، لكنه بدأ هدمه بلغة ذات العلم وأصوله أولاً من ذات شروطه، ثم حرر المعتقد بأن الله عز وجل لا تُدرك ذاته، وأن صفاته في العقيدة الإسلامية مرتبطة بذاته العليا، وتشمل كل ما ورد في كتاب الله عن علمه وحكمته وقدرته في خلقه، ودلائل أزليته وتباينه، جل في علاه، عن خلقه وعن الحادثات، وعجز العقل التجريبي القطعي في تصور الذات المقدسة.
هنا تبيين الفارق الجوهري في معركة الإمام الغزالي، ضد فلسفة اللاهوت الإغريقية، لا يُسقط حق الإمام ابن تيمية، لكنه يُرتب الحوار علمياً وتاريخياً.
انظر هنا إلى إجماع مخالفي الغزالي وموافقيه، بأنه أكبر ظاهرة في تاريخ الإسلام عطّلت سريان فلسفة اللاهوت وأوقفت زحفها، وفي هذا الموضع التاريخي يتبين الفارق الزمني مع ابن تيمية، ولكون كتاب الغزالي أقوى محطة واجهت جدل اللاهوت، ودورها في زعزعة العقيدة الكبرى في حياة المسلمين، وفي حقيقة تنظيم عقل الخلق مع وحي الخالق.
فقِدَم العالم، واستحالة بعث الأجساد، وتقييد علم الله عز وجل في زعمهم، مسائل كبرى افتتنت بها الحواضر العلمية الشرعية، وهي حالات اضطراب تمكنت فيها القوى الباطنية من النفوذ أو السيطرة على واقع المسلمين السياسي.
وحين نواصل الغوص في هذه الرحلة، يتضح لنا لماذا يستدعي الغزالي الباطنية في نقض فلسفة اللاهوت، وندرك الرابط بالفوضى السياسية، والعبث في حكم بني العباس، بسبب فسادهم واستبدادهم، وبالتالي ترهل واقع الأمة، حتى أن الجويني أكد شرعية فصل المقاطعات في بلاد ما وراء النهر، حتى تنجو هذه الحاضرة المسلمة من آثار فوضى بغداد، أي أنك أمام ممالك مهلهلة يسودها الفساد والاستبداد السياسي، وهو الذي قاد فيما بعد إلى سقوط بغداد في مهلكة التتر الهمجية الكبرى.
لقد شعر الإمام الغزالي بأن تحويل الروح الإسلامية إلى هذا الجدل الصاخب، المُشجّع من قوى النفوذ، أوهن الوازع الإيماني للمسلمين، وأضعف دور العبادات والانقطاع الروحي والشعائر التي تبني الإيمان في روح المسلم وفي المجتمع، فأعلن حربه عليها، ثم انطلق إلى إحياء شعائر الدين بتلك الروح، مما جعله يبالغ جداً في الغرق النفسي الصوفي، بناءً على هذا التأثر.
لكن اليقين في المسألة الكبرى، هو أن زعزعة الغزالي لأركان فلسفة اللاهوت، كانت فريضة شرعية، رآها ضرورة في تاريخ المسلمين ذلك الوقت، لحماية عقائدهم الكبرى، وانتشالهم من الجدل السفسطائي إلى العناية بأمور العبادة، والعودة إلى الروح الإيمانية.
ربما أخذ البعض على الإمام أنه، رغم تمكنه، لم يتحول إلى صناعة الفلسفة الفارقة في البناء والعمران، وفي استثمار قواعد الشريعة في نظم قانونية وعمرانية، يعاد بها صناعة القوة الأممية الإسلامية، وأنه افترق عن ابن رشد في هذا المسار، وقد ظُلم ابن رشد بسبب توسع اهتمامه بالحكمة، وهذا رأي مهم.
ولكن الحقيقة أن الظرف التاريخي والاجتماعي والديني، ودور الواقع السياسي، مؤثر جداً على عطاء العلماء، وعليه لا يمكن أن تحصر إمامة الغزالي في هذا الجانب، بل في الأصل الذي انتدب فيه ذاته، لما رآه إنقاذاً لعلوم الشريعة من النفوذ الفكري والسياسي، وخاصة بعزل الحقائق الإسلامية عن الهرطقات الفلسفية.
وحين نراجع التحقيق الدقيق القوي المتمكن للدكتور سليمان دنيا، العالم الأزهري والمحقق الفلسفي الكبير، الذي ابتُعث من الأزهر إلى لندن ودرس في جامعتها، ثم استقر فيها زمناً، وقد أطلق قراءاته الواسعة لنقد المستشرقين للغزالي. وهو المحقق الدقيق لكتب الغزالي، والمرجع الواسع لما كُتب عنه، نقف أمام مسألة مهمة ودقيقة:
لماذا اعتُبر الغزالي في الشرق وفي الغرب أنه أقوى شخصية نقضت فلسفة اللاهوت. بل إن الموقف من الفلسفة في الحواضر الإسلامية، حتى مع وجود مبالغات فيه غير محمودة، منذ ذلك القرن، يُنسب دافعه الأكبر إلى الإمام الغزالي.
ومسألة أخرى: لماذا يُجمع خصوم الإمام الغزالي، من دهاقنة الاستشراق، على نقده وذمه في مدار نقده الفلسفي. بل إن المستشرقين اتهموا الإمام الغزالي بالتدليس في عرض حجج من نقدهم ونقضهم، كتلامذة لأفلاطون وسقراط وبقراط وأرسطو، لأنه بزعمهم عرض دلالتهم بثوب ضعيف متهالك، ثم نقضها.
كيف يعلن المستشرقون أن بيان الغزالي، قبل النقض لفلسفة اللاهوت وتلامذتها الذين شدد عليهم، بل كفّر أعيانهم، كان في بناء ضعيف يظهر اهتزاز حججهم وسقوطها، ثم يقال عنه اليوم إنه كان ضعيفاً في معركته الكبرى.
أقف هنا بعد تبيان هذه الحقيقة، وأدعو الخطاب الفكري الإسلامي، إلى الخروج من ضيق العصبيات المذهبية، إلى سعة الدلالة المعرفية لتاريخ علومنا الشرعية والفلسفية، مع بقاء روح العلم المستحق، ومواصلة الدرب لبناء عالم المعرفة الإسلامي، الذي يستوعب ويبني ثروته من كليات علوم الإسلام، لإنقاذ الإنسان بالإيمان.
مستقبل سراييفو السياسي مهنا الحبيل لا شك في أن تركة اتفاق دايتون في النظام الدستوري…
البوسنيون والتقاطع الحضاري العالمي مهنا الحبيل تجاوب فريق مطار سراييفو بسرعة مع ازدحام صالة المسافرين،…
العودة إلى سراييفو مهنا الحبيل غالباً لا يمكن لأي إنسان على هذه الأرض، حين يُذكر…
معركة الغزالي مع اللاهوت الإغريقي مهنا الحبيل نُركّز هنا في هذه المادة العلمية على فهم…
ابن تيمية أم الغزالي؟ مهنا الحبيل لقد مهدتُ لمادة اليوم بالمقال السابق، حين استدعيتُ واقع…
حاضر العالم المسلم وصراع المذاهب الجديد مهنا الحبيل أضحت إسطنبول اليوم رواقاً فكرياً مهماً؛ فالأستانة…