Categories: مقالات

العودة إلى سراييفو

العودة إلى سراييفو

مهنا الحبيل

غالباً لا يمكن لأي إنسان على هذه الأرض، حين يُذكر اسم سراييفو، إلا أن تقفز لديه قصتها قُداس الضحايا، ونموذج التوحش النازي الذي مورس على شعب البوسنة المسلم تحديداً، ومقاومته الأسطورية لوقف المذبحة، ثم الخروج بنموذج دولة أوروبية، مطوقة من الداخل ومن الخارج، لكنها دولة ضمنت سلماً للمسلمين وجيرانهم، وصمد فيها حق إنساني مطلق لهذا الشعب، وإن اقتطع منه الكثير، حتى أُعلن اتفاق دايتون، وتوقفت الحرب، بعد إنجاز الجيش البوسني المقاوم، معركة الدفاع المقدس عن أورشليم أوروبا سراييفو، وهو مصطلح مهم سنعود له مستقبلاً. أما الثانية فهي الشخصية التاريخية التي قادت حرب الصمود واعتمرت خوذة المقاومة، بين رجال البوشناق، وهو بذاته أحد أبرز فلاسفة تاريخ أوروبا الحديث، لكنه أُفرز عن أروقة الفلسفة والأكاديمية الغربية لسبب واحد، وهو أنه فيلسوف مسلم، ولأن هذا الفيلسوف هو بذاته من قاد المقاومة الصلبة العظيمة، وقبل ذلك أنجز قصة الحرية الحقيقية للضمير الإنساني، وقدّم للعالم، وليس للمسلمين فقط، رحلة الذات البشرية في هذا الوجود، وما هو النظام الذي يتطابق مع فطرتها، ومع حقوقها، في سِفره العظيم: الإسلام بين الشرق والغرب. غير أني اليوم سأبدأ الرحلة مع القراء الكرام في ثوب السائح وأدب الرحلات، ونعبر من خلاله إلى قصة الفكر وأحداث السياسة، كما تعودنا في رحلات مماثلة. إسطنبول هي المحطة التي خططت لانطلاق رحلة أوروبا الفكرية الأخيرة منها، وكانت أهم مدنها سراييفو، وهي رحلتي الأولى إليها، وإنما عنونتُ المقال بالعودة إلى سراييفو لأنها كانت حاضرة في وجداني ووجدان الملايين من المسلمين، ومن أنصار الضمير الإنساني الحر، والعودة إلى قضيتها وحالها اليوم، بعد ثلاثة عقود من حرب الكراهية الدموية ضدها، له مدار خاص. رحلات سراييفو مكثفة من إسطنبول، سواء من مطارها الجديد، أو من مطار صبيحة، والعلاقة الحالية للبوشناق المسلمين مع تركيا عميقة ومتشابكة، وجدانياً وفكرياً، وربما سياسياً، لكن طبيعة الفدرالية الأخيرة، للرئاسة المشتركة، بين أهل البلاد المسلمين البوشناق والإقليم الصربي والكرواتي، وتقدم سراييفو في متطلبات الاتحاد الأوروبي، يفرضان نمطاً مختلفاً على دولة البوسنة الجديدة، وللتاريخ العثماني في البوسنة قصة أخرى سنوردها لاحقاً. الرحلة استغرقت قرابة الساعتين، إلى مطار سراييفو الصغير، رغم حجم تدفق السياحة الكبير، فتساءلت: لماذا لا يُوسّع المطار، كهدف اقتصادي شامل لكل أبناء دولة البوسنة. علمتُ لاحقاً من مرشد الرحلة الثقافي أ. أردام أن الطرف الصربي في الرئاسة عطّل القرار، كما هي مشاريع تنموية أخرى، وهذه قضية معقدة وموجعة في ذات الوقت؛ فالبوسنيون قدموا تنازلات كبرى لميلاد الدولة الجديدة، رغم كل التوحش المعادي الذي عاشوه في حرب 1994 وحصار سراييفو. وصربيا وكرواتيا دولتان مستقلتان لهما نفوذهما المطلق، وتوسعاتهما الاقتصادية الطبيعية، فلماذا تُحاصر دولة البوسنة في توسعها الاقتصادي والتنموي. قيل لي إن هذا هو واقع الحياة السياسية اليوم، لكن هناك تقدماً بطيئاً. وللمطار خصوصية أخرى، فعلى أطرافه قاوم الشعب، لكي يصل بين المطار وبين سراييفو، في نفق الحياة، وهو النفق الملهم، ولذلك فإن الطرف الرئاسي الصربي في دولة البوسنة، الذي حاصر أهل سراييفو، لا يريد أن يسمح للمطار بالتمدد، وكأنها رمزية تهزمه، أو أنها مرتكز تطور لسراييفو، لا يتحمس لها الضلع الرئاسي، مع أن هذه الدولة دولته، ومواطني فيدراليته الصربية ينتمون للوطن البوسني الجديد، فلماذا يُعطّل توسيع المطار القومي! هناك أسئلة عدة حول معنى استقلال البوسنة، تحت شروط دايتون المجحفة والشرسة: ما الذي استفاده المسلمون البوشناق من هذه الدولة تحت هذه الشروط الظالمة، التي لم نورد كل تفاصيلها، وأهمها التطويق الدستوري لحقوق الشعب البوسني المسلم. في الحقيقة أن الرئيس الملهم علي عزت بيغوفيتش لم يترك هذا السؤال حائراً، بل قدم له إجابة مهمة ودقيقة، وقد توقع هذا الوضع، بل استشرف استهدافه الشخصي، وإبعاده من قيادة البوسنة، وحضّر لذلك بترتيب أمين وسلمي، يحفظ قوة المسلمين السياسية، ويهيئ لخروجه من المسرح السياسي، حتى يعبر الجودي الذي كانت ترقبه بحقد أو قلق أطراف غربية. اختصر بيغوفيتش القضية بأن اتفاق دايتون لم يأتِ من فراغ، بل بعد مدافعات صعبة وتوازنات دقيقة فرضها صمود البوشناق، لكن من طرف آخر هناك عوامل ضغط شرسة. والدعم الأمريكي للبوسنة، خشية من نفوذ روسيا الجديدة، أو معسكر الأرثوذكس الجديد شرق أوروبا، كان ينظر بقلق أيضاً إلى معنى ميلاد دولة مسلمة في أوروبا، رغم أنه استحقاق طبيعي، ولذلك قال بيغوفيتش إن هذه الدولة أقصى ما استطعنا أن ننتزعه، وأن الفارق بين محنة الأربعينات وإبادة البوسنيين حينها دون مقابل، أنهم اليوم حصلوا على شبه دولة واتفاق سلام ملزم، لا خيار إلا القبول به واستثماره للمستقبل.للحكاية بقية

mohana63

Recent Posts

مستقبل سراييفو السياسي

مستقبل سراييفو السياسي مهنا الحبيل لا شك في أن تركة اتفاق دايتون في النظام الدستوري…

4 ساعات ago

البوسنيون والتقاطع الحضاري العالمي

البوسنيون والتقاطع الحضاري العالمي مهنا الحبيل تجاوب فريق مطار سراييفو بسرعة مع ازدحام صالة المسافرين،…

4 ساعات ago

الإجماع العالمي على حسم الغزالي

الإجماع العالمي على حسم الغزالي مهنا الحبيل لقد كان الإمام الغزالي متصدراً في مدارس الفلسفة،…

4 ساعات ago

معركة الغزالي مع اللاهوت الإغريقي

معركة الغزالي مع اللاهوت الإغريقي مهنا الحبيل نُركّز هنا في هذه المادة العلمية على فهم…

4 أسابيع ago

ابن تيمية أم الغزالي؟

ابن تيمية أم الغزالي؟ مهنا الحبيل لقد مهدتُ لمادة اليوم بالمقال السابق، حين استدعيتُ واقع…

شهر واحد ago

حاضر العالم المسلم وصراع المذاهب الجديد

حاضر العالم المسلم وصراع المذاهب الجديد مهنا الحبيل أضحت إسطنبول اليوم رواقاً فكرياً مهماً؛ فالأستانة…

شهر واحد ago