بيتُ أمي في طريق سلوى
مهنا الحبيل
خلال نزولي مؤخراً إلى الدوحة، لتقديم العزاء في وفاة الأمير الوالد رحمه الله، كان يدور في ذهني الاطمئنان على (أخوي) وصديقي جاسم بن العم عبد الله النصيري، فمتابعتي له أنه لا يزال في كوريا، بعد العملية الصعبة في قدمه، لتتمة العلاج الطبيعي.
وقصتي مع جاسم ووالديه، لها أربعون عاماً أو تزيد، فالعم عبد الله النصيري شخصية مميزة، ومدرسة اجتماعية عرفته في الأحساء، في المروءات والقيم العربية لأهل قطر والخليج العربي، كفيف بصر مستنير بصيرة، متدين تقليدي لكنه أخلاقي، ربما والدي أبو سعد وسعد أكبر أنجاله، فقده في حادث مؤلم، من النماذج التي تصدق عليها سفراء لأوطانهم، كيف يصل الناس، ويتفقد رفاقه، ويقف في الشدائد معهم، ويفتح مجلسه ويستقبل كل الطبقات والشرائح، هذه واحدة من صفاته وليس كلها.
عادة تعرف الوالدين من ابنهم الذي صادقته، وخالد وجاسم أبناء العم، قريبون من عمري، لكن في حالتي عرفتهما أكثر من خلال والدهم العم عبد الله، وإن سبقت صحبتي بأخي الغالي خالد، كان العم عروبياً قومياً، ورغم اتجاهي الإسلامي، إلا أن مدرسة والدي رحمه الله، وأخي لأمي الشيخ إبراهيم المبارك (العروبي) شافاه الله وعافاه، وهو صديق خاص للعم النصيري، أعطتني حصانة، في فهم الرجال بالحق، وليس بناء على تصنيف انتمائه أو اتجاهه، وهي دروس أفادتني كثيراً في حياتي الفكرية، وفي مدلهمات الحوادث، وفي كشف فهم حقيقة الناس وأصالة مواقفهم معك.
وليس كل من لا يقوم بواجبه، تجاهك، من حيث الاستقبال، أو من حيث مقتضيات المروءة مسيئاً بالضرورة، وإنما من يتعمد الإضرار بك، أو النيل سواء كنت ضيف كرامة، أو رفيق زمن.
كان العم النصيري يغار على وطنه الصغير قطر، ويرد بأدب وهذا في سنوات خلت، منذ عرفته 1986 م حتى رحيله بعد أربعين عاماً من معرفته، ولكنه في مفهوم التضامن العربي، قوي صلب، يدافع عن وحدة الوطن العربي الكبير، وعن قضاياه أمام المركزية الغربية، والدولة الصهيونية، فهو مثقف مطلع، منفتح داخل مجتمعه وخارجه.
وكثيرة هي الدروس التي يحررها لك، كشبكة من الأعراف وطبائع التقدير، والمبادرة في الواجبات، وأنك بعد ذلك لا تحمل على من تجاهلك، دعه وادعُ له بالتوفيق، ولكن لا تقف عند بابه، وعبد الله النصيري باب وقلب مفتوح، أكان قاصده من أهل الخليج بدوياً أو فلاحاً أو غواصاً، ولم يعد هناك غوص للؤلؤ، لكن قصة البحر عميقة في بيوتنا، أو كان ذلك الجليس من أي بقعة في الأرض وملة، وهي روح تتصل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: الموطؤون أكنافاً، وأنهم مقربون منه يوم القيامة، والنصيري منهم، وهو يبقى معك، حتى لو اختلفت في الرأي معه. ولقد كفل لي التردد على الدوحة من كندا للقاء الأرحام، ظلال شجرة لم أعرف أن الله سيكرمني بها في هذا العمر، أمٌ لم تلدك تتفقدك في تواصل لا ينقطع، (شلونك ومتى بتجينا وشلون عيالك) وكل نزلة أنزل فيها إلى قطر الخير، ألتحف بهذه الروح، إنها زوجة العم عبد الله النصيري، والدتي أم خالد حفظها الله ورعاها، وأطال عمرها في سلامة أبدان وإيمان. كنت قد وصلتها في سفر جاسم العلاجي، ومجلس خالد وجاسم أولاد العم لا يغلق، ورفاقهم فيه رفاقي، يصدق عليهم قول الزعيم البدوي الكبير راكان بن حثلين، في مجلس ما فيه نفس ثقيلة، أي والله. إني لتنداح نفسي بينهم، لكن لا بد من الدخول إلى صالة المنزل، لكي أرتوي من روح والدتي التي تسأل عني، هذه المرة (نحمّد لها السلامة) برجوع جاسم، وهو الحبيب القريب المتواضع الفزاع، عاد واستبشر به الجميع فحمداً لله على سلامته. وما لا أفوّته في مجلسي معها، المشاغبات والممازحة اللذيذة التي يتخصص فيها جاسم مع والدته، من رحلة الأفلاج حتى دوحة الخير، وهي قصة كفاح في الزمن الصعب على أهل الخليج، كانت والدتي مدرسة في رعاية بيتها وزوجها، وفي ضيافة كل من يرد عليهم، حتى مع غياب العم عبد الله خلال سفره إلى لندن أو إلى الخليج العربي. خرجت للعودة إلى الرفاق في المجلس، ولكن والدتي أصرت على سنتها المعتادة، (الحويجة) في (البقشة)، في الكيس بطاقة منزوية هي الهدية الكبرى، وفي جانبه زجاجة عطر كروح أنفاس الصالحين، وأهلنا في بيوت الطيبين الأولين، (إلى ولدي مهنا أمك أم خالد النصيري)، رضي الله عنك، أي روح بعثها الله فيّ هذا العمر، بمكرمتك يا أماه حفظك الله، رحم الله العم عبد الله النصيري، وبارك في ذريته وأقر عين والدتنا بهم، ورعى قطر وأهلها بكرمه وتوفيقه.
ابن تيمية أم الغزالي؟ مهنا الحبيل لقد مهدتُ لمادة اليوم بالمقال السابق، حين استدعيتُ واقع…
حاضر العالم المسلم وصراع المذاهب الجديد مهنا الحبيل أضحت إسطنبول اليوم رواقاً فكرياً مهماً؛ فالأستانة…
النظام الدستوري الإسلامي والعقد الاجتماعي مهنا الحبيل صدر مؤخراً كتابي الأخير، الرؤية الإسلامية للعقد الاجتماعي…
نموذج د. شحرور في فلسفة وائل حلّاق مهنا الحبيل كانت لحظة التحول الكبير لوائل حلاق…
من يحارب وائل حلاق في الغرب؟ مهنا الحبيل لم يحرص وائل حلاق على أن يعطيني…
حوار مختلف مع وائل حلّاق مهنا الحبيل قبل هيوستن، التقيت في نيويورك بوائل حلاق، أستاذ…