الحضرة الإلهية في الرحلة الاستشراقية

مهنا الحبيل

استدعى جوناثان براون في حديث بودكاست نظر، قصة رينيه غينون في ذاكرتي، ليس لأن براون أسلم في رحلته الاستشراقية، وانقلب بقوة على مشروع الاستشراق، فجوناثان لم ينخرط أصلاً في مشروع استشراقي، ولكنه دخل في دراسات استشراقية انتهت به إلى الإسلام، وهنا معنى مهم أشمل من ماكينة الاستشراق الوظيفي الكولونيالي للمركزية الغربية، فليس كل من انخرط في بحث تاريخ الشرق المسلم وتراثه مستشرق وظيفي أو معادي للمسلمين، وظاهرة البحث في التراث المسلم، تعود بقوة إلى الاكاديمية الغربية اليوم، لسبب مهم وهو غزارة إرث الشرق. والأهم في هذا الإرث سر البحث عن الطريق الآخر، والنقضي للأفكار التي قادت لواقع الإنسان الأخير، وهي الثورة الأولى على الاستشراق التي أشعلها غينون، وكان لوائل حلاق فضل بعث فلسفته من جديد، بعد أن عاقبه الاستشراق الفرنكفوني المتطرف، لضمان حصار مشروعه الأخير، الذي خاطب فيه الذات الغربية مخلصاً لدعوتها للطريق الجديد، وهو كتاب أزمة العالم الحديث. هنا المشترك أصبح حيوياً في بعض المسارات رغم أن جوناثان، لم يشير إلى غينون، فمنهجه هو السياق الحديثي في تدوين السُنة النبوية، ومنهج غينون القوة الفلسفية الروحية في التصوّف التي واجهت الحداثة، غير أن هناك رابط غير معلن في الحكاية الأخيرة. لقد كانت رحلة الباص المزدحم الصعبة في مالي، حيث يختنق جوناثان في عربة نقل شعبية ضيّقة، وقد رُصّ النّاس فيها كعلبة السردين، ومع أزمة مرضية حادة يقول براون أنهُ لم يشهد مثلها من قبل، وكاد ينقطع نفسه في الرحلة، مع صخب مؤذي لمذياع الراكب الذي يلاصقه، فشعر وكأن لحظة قاتلة تقترب منه. هنا عاد سؤال الجدل الكبير في داخله، من حولي هنا، من يراني، من يسمع أنيني، فحدثته نفسه القديمة، التي عاشها متردداً بين الشك وطقوس مسيحية، يقول جوناثان انه لم تقنعه، فغادر المربع المسيحي، فصاج في خاطره جائل يقول له أين الله الذي آمنت به! حينها عادت له روح الإسلام الذي اعتنقه من قبل، وشخص أمامه قصة الناموس الأكبر، الذي يدل على الغائب اليقيني، غائب عن الأعين، حاضر في وحدة الشهود، فرفع قلبه له، فأتاه لطف الخالق في لحظته، فاصبح في عافية وانشرح صدره، وكأنه لم يمسه سوء. ورغم أن خرق العادات، ليست برنامج دورياً، يجعله الله لكل العالمين، وأن لطفه سبحانه وتعالى، لا يقف عند هذه الشواهد، غير أنه كثيراً ما يمر علي، في قصص المهتدين أن لحظة خطابهم لله عز وجل، يأتي جوابها، ولو بعد حين، رغم أنهُ في ذات الوقت لا تسمع أن هذا الاستشعار يحضر عند كثيرٍ من المسلمين، وقد يكون متديناً، لكن ايمانه اصبح تقليداً لطبائع، وليس تفعيلاُ لحقائق العلاقة مع الله، فغفل عن اليقين، وربما أسرف على نفسه، فالتفت عنه مولاه وهو يعلم حاله، فسقط في نهاية الطريق، وهو بين أظهر المسلمين، أو استيقظ من غفلته، وأناخ روحه عند ربه الكريم، فضمه إلى جنّة الشعور، التي لا يصل إليها إلا من خشي الله وجاء بقلب سليم. إن وصفي لهذه اللحظة ودلائل استشعارها عند الباحث الغربي، لا يقُصد منه طلاسم التصوف البدعي، ولا هرطقات الخرافة، ولكنه قصة ثلاث ركائز، تجذب الروح الغربية إلى الشريعة الإسلامية اليوم، وأهمها العودة لله الواحد الأحد، الذي يجدون اليقين فيه، مكتوباً عند اليهود والنصارى، لكن توحيده الحق تم التشويش عليه، وأسقط من رحلة العلم والفكر، بين التحريف والحداثة، فحين تعود رواحلهم، إلى دين الفطرة الإسلامية، تهتف مهجهم، لقد وجدت الحقيقة. هذه الروح خلقت عند بعض الباحثين ولا أقول كلهم، روحاً أخلاقية ضبطت معيارهم المهني، وهي مسألة لو حررنا الأصل فيها على ما ورد في تعاليم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لوجدناها تشريعاً قائماً، يحتاج فقط على ضبط تقنيني، وهو يدور حول مسؤولية الفهم ومسؤولية النقل، قبل مصداقية النقد، حيث يعبّر جوناثان عن ضرورة، فهم الدافع الاجتهادي، عند هذا الشيخ وذالك الإمام، وتلك المدرسة، بل انه يرى أن تعدد النظر بين النص والتأويل، وبين سند الرواية والتفسير، قد يحقق معادلة تراكم تفيد شمولية النظر بين المدارس. وهذا لا يسلم بذات الدرجة إلى كل مخالف، او مغاير شرس، خرج عن اصل المقصد وقواعد التدليل، لكنه مسلك أخلاقي رفيع، فلماذا نجد بالمقابل حرباً شرسة، بين اتجاه التراث نفسه، او بين مفكرين وباحثين، سقطت بينهم المعايير المهنية، والأصول الأخلاقية، في الردود بينهم، وفي ردودهم على غيرهم من المتقدمين والمتأخرين! نكمل بقية عوامل الجذب في المقال القادم