سكينةُ الفجر في لندن وحوار متحفها
مهنّا الحبيل
في برنامج الجولة الأوروبية الأخيرة بين لندن وبروكسل؛ رتبتُ في العاصمة البريطانية مع الشباب المهتمين بالبناء الفكري ورشةً ميدانيةً نتنقل معهم فيها في أركان المتحف البريطاني، الذي يُقدم رؤيته لتاريخ الحضارات في العالم، وهي في منظوري رؤية غير صحيحة، وتعتمد على العقل الغربي المفرد، الذي أُسست أرضيته القوة لا الفكرة، وهو مبدأ أخلاقي أصيل، وإن اصطبغ بثورة فوكو الأولى، وعليه تتابعت حركة الفلسفة اليسارية، لكن المشكلة أنها ارتدت فيما بعد نحو المشترك المادي مع فلسفة الحداثة والليبرالية المعاصرة. لكن التفكيك الذي تصدّر به فوكو قاعدةَ الثورة الثقافية ذاك الزمن صحيح.وهي: كيف يحكم العالم نظريات فلسفية نحتتها القوة، فيما يتم تجاهل الفكرة القوية في أصل معناها وتجربتها التاريخية ومآلها؟لكنني أحرص أن أعطي الرحلة مساحة السائح، فاستطرد هنا في روح أدب الرحلات، لا شرح الأفكار.ودومًا أعتبر قرب المساجد في سفري هدفًا رئيسيًا، ومن حسن ظني، كان المسجد بقربي، أصل إليه في ست دقائق مشيًا، ولا يزال الفجر مبكرًا في أشهر الربيع، وقد كان الطقس باردًا جدًا في أوروبا هذا العام، رغم أننا في نهايات أبريل، وبالتالي لم تدبّ الروح بعدُ في طرق وأحياء لندن.لاحظتُ أن باب الفندق مغلق، وموظف الاستقبال متوارٍ عني، وإن كان في زاوية يرقب فيها الداخل والخارج، فأرشدني إلى مفتاح الباب الإلكتروني الصغير. ضغطته ودفعت الباب، لكن كان هناك ثِقَل في تحريكه، ومع المحاولة الحذرة الثانية تبيّن أن هناك جسمًا وراء الباب. سحبته إلى الداخل ثم حرّكته لأرى ما وراء الباب بهدوء، فإذا بأحد (الهوملس) المشردين، وهي ظاهرة ليست غريبة عليّ في كندا، متمدّدًا خلف الباب مباشرة؛ إذ إنه في الشتاء يلجأ الهوملس إلى مداخل المباني للتدفئة من الصقيع.ظاهرة إنسانية مؤسفة تتكرر، وأحيانًا يُحملون أمواتًا، بعد أن تنهكهم المخدرات. المشكلة في أوروبا وأمريكا الشمالية أنه لا توجد رؤية جذرية لحل الظاهرة، رغم الخدمات الاجتماعية التي تُقدَّم لهم؛ فلا مناقشة فكرية مختلفة للظروف التي تدفع إلى الكآبة والانهيار، ولا حدّ لحضور المخدرات، العنصر الأكبر في الفتك بهذه الأرواح. بل إن القوانين ذاتها تُوسّع لزيادة التعاطي والسماح بأنواع أخرى من المخدّرات، وإن بنِسَبٍ محدودة، والترخيص ببيعه في نقاط مقرّرة من الدولة، ولذلك فلا حل يُرتجى لصالح الإنسان في ظل هذا التناقض، الذي يُعزّز من جانب آخر صلف الرأسمالية على الفرد.وقد نُقل أن حكومة طالبان الجديدة حققت تقدّمًا في حل هذه المعضلة، بسبب أنها انطلقت من مفهوم مركزي للشريعة الإسلامية، ولا أستطيع أن أجزم بمستوى هذا النجاح، لكن أثره واضحٌ حسب التوثيقات المصوّرة، حيث نجحت الحكومة الأفغانية في التقاط كل الحالات التي انتشرت بكثافة في شوارع كابل قبل عهدها، وإيداعهم في مصحات تربية نفسية وتأهيل مهني، ينشغلون به، تحت إشراف مصحّة مع أطباء متخصصين.اعتذرت من الرجل اللندني الممدد، وقد كان لطيفًا أيضًا في اعتذاره، ودومًا أقول إن موقفنا مع هذه النماذج هو تذكّر أنهم، بإسرافهم على أنفسهم، أهل بلاء، وأن واجبنا الشفقة والإطعام والرحمة لهم، حتى لو تسببوا بعاقبة مآلهم.المركز الإسلامي كان يعج بالمصلين في صلاة الفجر، وهناك روحانية تستمطرها بين المسلمين في المهجر، وفي تقلبك في شواهد البلدان وطقسها وخضرتها، لا أجمل من أن تكون روحك أولًا مخضّرة بقرب الله وبأورادك، وإن لضوء الفجر نورًا لا يخطئُه المشّاؤون.وهي قصة البحث الجديد في العالم الحديث: من يعيد للإنسان قصة السكينة والإيمان التي سحقتها الحداثة؟خرجتُ بعدها إلى المتحف لملاقاة الشباب، كنا قد خططنا أن نجلس في مقهى، وأن نستأذن في تصوير المتحف البريطاني وسرديته للحضارة، لكن طاقم المتحف ونظامه كانا متعاونين، فأنجزنا الورشة ميدانيًا، فعلّقتُ عليها مباشرة، وهي معروضة على قناة اليوتيوب، كان من المهم أن نقف على أن سردية المتحف كانت منحازة للتاريخ الأوروبي الحديث، بما فيه المعيار المُستعاد من الإرث الاستعماري، وأن الركن الأساس في فهم الخيرية للذات البشرية غير معتمد، لا في عرض الحضارات القديمة ولا حضارات أهل الكتاب. وقد كانت القصة المفقودة في المتحف رحلة الحضارة الإسلامية: حضارة روح ومجتمع، لا رسوم وفنون فقط.ومن حسن حظي أن التقي مع الشباب المهتمين بفكر النهضة الإسلامي، بصحبة المفكر الإسلامي القطري د. جاسم السلطان، فكانت أمسية لندنية جميلة، بين مطعم يمني وقهوة انجليزية، تخللتها حوارات عدة، وعرجّنا فيها على ذاكرة الدوحة حفظها الله ورعاها، وحكايات الزمن القديم في شارع الكهرباء، فأنست بذالك المجلس بين الفكر والسَمَر، وكانت خاتمة جميلة قبل أن نشد الرحل الى بروكسل.
