النظام الدستوري الإسلامي والعقد الاجتماعي
مهنا الحبيل
صدر مؤخراً كتابي الأخير، الرؤية الإسلامية للعقد الاجتماعي لروسو، وهو دراسات نقدية لنظريات العدالة السياسية، يهتم الكتاب بنقد أبرز كتب الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، وهو جزء من الرحلة السابقة لمشروع الاستغراب، التي بذلتُ فيها جهداً للوصول إلى المفاهيم التي عناها روسو في مبادئه العامة، وفي محاولاته ربط مبدأ الإرادة العامة للأمم والشعوب بنطاق دستوري، يفضي إلى وضع قاعدة انتقال من النظرية إلى التطبيق، تؤسس لأرضية تنفيذية لنظام تعاقد دستوري يحقق العدالة السياسية لأوروبا الحديثة.
وهو خلاصة الطريق لديه بين الفرد والمجتمع والدولة، الفرد الصالح حسب رؤية روسو، ثم المجتمع المتكافل أو المثابر النضالي، ثم دولة الحقوق والمؤسسات. هذه السردية لرحلة روسو، ليست سهلة، في خلاصة منتجه الفكري كما يعتقد البعض، وهناك تراكم من الغموض وبعض التناقض عند روسو نفسه، وفي مصارحة مهمة، قال روسو إن بعض مبادئه كتبها تحت تردد كبير، وأنها قد لا تكون قد نضجت بالفعل.
ولذلك عملتُ على تركيز الفهم والمقاربة بين البنود المتعددة في العقد الاجتماعي، حتى أدركها وأحيطُ بها قدر المستطاع ضمن علم الفلسفة التشريعية، ثم أبينها للقارئ قبل النقد والرد. هذه المهمة في العقد الاجتماعي لم تكن منفصلة عن جذور أفكار روسو في رسالة التفاوت، التي يحاول فيها وضع تصور خاص عن الوجود البشري في أوروبا، ويربطه بالخلق الأول، الذي اضطرب فيه روسو حين يتداخل مع نظرية داروين، والتاريخ القديم المزعوم في عقل أوروبا الحديثة عن طبيعة الإنسان الحجري.
في ذات الوقت الذي يسلّم فيه بالخلق والخالق، وحقيقة الدين الأوحد في ضمير الفرد، وهنا تتداخل القيم القانونية في فلسفة روسو بين المعيار الدارويني، البقاء للقوي والأفضل، وبين ضمان الحق السيادي والدستوري للجميع. ثم عودته إلى الفطرة، وإلى دور الوحي الديني في القانون النهائي، لكنه وحي منقطع الوصول بحسب رؤية روسو. أما قانون الناموس الأكبر حسب تسمية روسو، الله عز وجل، فهو ظاهر بين المرأة والرجل، وبين البعث الإيماني لكاهن سافوا في حياته.
هذا الفرز الذي فصّلتُه مهم للغاية في فهم فلسفة روسو السياسية، ومرجع العدالة السيادية عنده، التي قد لا تخضع لمعيار ديمقراطي؛ بل العكس. فروسو يقول في العقد الاجتماعي إنه «لا توجد ديمقراطية صحيحة ولن توجد»، ولذلك اعتمد في بعض شرائعه على العنف الأخلاقي، في انتزاع الإرادة العامة لسيادتها أو استرجاعها.وهنا عملت على تنظيم هذه الخلاصات في شرح ما أراد روسو إيصاله، قبل أن أظهر عناصر التناقض، أو أنتقد الخلل التأسيسي أو التراكمي الذي يصنع عقداً دستورياً واضح المعالم متحد الشروط، وهو ما لم يجزم به روسو؛ ولذلك أشار إلى ضرورة إعادة النظر في مبادئه وتصحيحها.
إن وضع إطار تعاقدي لتحقيق العدالة والمساواة، ونزع سلطة الظلم، وصناعة أدوات الحقوق، وبسط التشريع العدلي، مقصد إنساني لكل الأمم؛ فالعدل قيمة فطرية بشرية، ونبذ الظلم وكراهيته قيمة، بل ضرورة يستشعر وجوبها كل إنسان. ووضعُ تصورٌ تعاقدي للشعوب والأمم، سُمّي بالدستور، أو القانون الأعلى، أو العقد الاجتماعي، أو الميثاق، حاجة بشرية وضرورة لتحقيق السلم، والأهلية الرشيدة لمستقبل الأوطان والشعوب والأمم.
ولذلك جاء ميثاق المدينة المنورة، الذي شرعه صلى الله عليه وسلم بين المسلمين وغيرهم، في مقدمة تأسيس الدولة، وهذا يمثل قاعدة فكرية مهمة سبقت عقد روسو بأكثر من عشرة قرون. وهذا لا يعني أن التأصيل الإسلامي الذي جاء في الميثاق هو نموذج للاستنساخ؛ فالبيئات تختلف، والأزمنة تتطور، لكن أصول التشريع تحكم مقاصدها القواعد القرآنية القطعية، والنصوص النبوية العدلية، ومفاهيم المساواة الحقوقية في الأموال والثروات. وهنا كان تحرير الرؤية الإسلامية للعقد الاجتماعي ونقده.
وسلامة نصوص روسو من نظرية التفوق الغربية، التي تورط فيها كثير من الفلاسفة، ورفضه المتقدم لمشاريع الغزو الاستعماري في عهده، والتي استبق بها غزو عهود الثورات الغربية، جعلتنا ننتخبه نموذجاً في القانون الدستوري. وهو قانون ينطلق من منظومة فقه العمران التي عُطّلت في التاريخ الإسلامي، وظُلم بها العهد الراشد، وبالخصوص نموذج عمر بن عبد العزيز. وقد شرحتُ في الكتاب بالتفصيل أين تحضر بقوة شروط العدالة السياسية، وكيف تختلف أو تتفق مع بنود روسو، وكيف أن قاعدة التشريع أسقطت في أزمنة الاستبداد المتقدم والمتأخر.
هنا ندرك أهمية تحرير الفقه الدستوري في الإسلام، والقانون التحكيمي الأعلى، الذي يعتمد على تعبّد الضمير الديني، وشفافية المحاسبة، وقوة الوعيد للظالمين والمطففين، ومن خلال هذا الفقه نقدنا فلسفة روسو، أو بينّا صحة مبدأه كواجب حثّ عليه النظام القانوني للإسلام، ليقوم الناس بالقسط، وينصف المظلومَ، مؤمناً بالإسلام أو غير مؤمن.
