معركة الغزالي مع اللاهوت الإغريقي

مهنا الحبيل

نُركّز هنا في هذه المادة العلمية على فهم السؤال، أو التحقيق في الفكرة التي انتشرت سابقاً عن الإمام الغزالي، وزعمت أنه عجز عن إسقاط فلسفة الانحراف الكبرى في الفلسفة الإغريقية القديمة، وأن الإمام ابن تيمية، رحمهما الله، قد حقق ذلك منفرداً.

ويجب هنا أن ألزم نفسي بما طلبته من الآخرين، في تحقيق المدار الأخلاقي ثم العلمي، في توضيح هذه المسألة. ولو قيل إن الإمام ابن تيمية واصل النقض بمبدئه العقلي لفلسفة اللاهوت، وخاصة قواعد أرسطو المعروف عند الغزالي بأرسطاليس، لكان ذلك مداراً مقبولاً، مع حاجتنا إلى التأكيد أن هذا المدار الجدلي والحجة، التي قام بها علماء الشريعة، يُنظر إليهما بميزان واحد، فلا يمكن أن يباح الجدل الفلسفي لابن تيمية ويُحرم منه الغزالي.

ويسعى هذا البحث إلى توضيح المدارات المهمة، وخاصة المقدمات المعرفية والتاريخية، لعلاقة مسائل الفلسفة القديمة، وخاصة في مركز اللاهوت، والجدل عن ذات الله، جل في علاه، عند الإغريق، بتاريخ علم الفلسفة في العالم الإسلامي، ودوافع تصدي الغزالي لها.

وهنا أذكّر بأن دراسة الخلاف بين الإمامين الغزالي وابن رشد، في تهافت الفلاسفة وتهافت التهافت، لا تزال تحتاج إلى تفكيك عميق، لتحرير ثلاثة مسارات اسلامية تعاملت مع الفلسفة الإغريقية القديمة.

فالأول في دلالات الوجود، وأنه لا بد لها من خالق، وهذه الفلسفة التي يدرجها ابن رشد في فلسفة «الحكمة»، متفقة مع أصل التفكر والتدبر والنظر، الذي دعا إليه كتاب الله عز وجل، وهي يقين في تاريخ العالم منذ أن وُثّقت أول تحريرات سؤال الفلسفة، بأن لازم العالم الموجود خالق موجِد.

أما الثاني، الذي غرقت فيه الفلسفة الإغريقية، وانتقلت أزمتها إلى بعض فلاسفة المسلمين، وخاصة ابن سينا والفارابي، الذين شدد عليهما الإمام الغزالي، فهو الجدل في ذات الله عز وجل وقِدم العالم.

لقد أطلق العقل اليوناني القديم عقله القاصر في ذات الله، وتوسع فيما يجب من صفات الخالق، وما لا يجب، دون الوحي الذي أنزله من خلق هذا الكون، وتسربت هذه الوسائط والمصطلحات إلى العالم الإسلامي، لكن أي عالَمٍ كان ذلك الزمن؟

هنا قاعدة مهمة للحكم على الدور التاريخي العقائدي الكبير، الذي أنجزه الإمام الغزالي في هذا المدار الفلسفي، وهو المدار الثاني.

وحين يتم التحقيق المنصف الدقيق، فسوف تجد أن الإمام ابن تيمية، رحمه الله، عيالٌ بالضرورة على الإمام الغزالي في مهمة التصدي، لسبق المهمة وتأصيل انطلاقتها، وليس في ذلك حرجٌ أو نقص.

إن هذه الفترة الزمنية الحرجة، التي واجهها الغزالي وشيخه الجويني معاً، تعطيك المصادر عنها خلفية مهمة، وهي أنها كانت في زمن فوضى شرسة وفساد سياسي في عهد العباسيين، تزامن مع تمكن وتغول سياسي للقوى الباطنية، ارتبط بالحالة الفكرية المتنفذة لهم، بمعنى أن ذلك الكفاح الفكري للغزالي والجويني، في كتب الغزالي الفلسفية، وفي كتاب الجويني غياث الأمم، وهو كتاب نازلة في السياسة الشرعية، جاء تفاعلاً مع ذلك المأزق الكبير.

وفي كلا اتجاهي الإمامين، هناك ما يستحق الفرز بالنقد، في مدار السياسة الشرعية أو في مدار ما بعد نقض الغزالي لفلسفة اللاهوت، والإغراق الصوفي.

غير أننا نحرر هنا موضعاً دقيقاً يبين خطأ جحود دور الإمام الغزالي، كمؤلف هدّام أكبر لفلسفة اللاهوت الإغريقية، وكيف أن هذا الهدم سبق ابن تيمية بقرن ونصف.

فماذا جرى في ذلك التاريخ بعد حسم الإمام الغزالي لمعركة فلسفة اللاهوت الإغريقية؟

الغزالي هو المؤلف الهدام الأكبر هنا؛ لأنه أبطل هيمنة جدل عقائدي سفسطائي مضر بإيمان المسلمين، مؤسس لفوضى في الأفكار وفي استقرار الإيمان والأرواح.

وقد تأثرت به البيئات المسلمة، وانتشرت أفكار هذه الأمور والخوض فيها، وتحولت إلى مدارس مخملية خاوية الإيمان، ساهمت في بعثرة واجبات المدارس الشرعية، وهي فلسفة يتيه فيها عقل الإنسان ولا تحقق له مصلحة ذات ولا عمران.

وهي في ذات الوقت تُمكّن للمشاريع السياسية، التي أضعفت واقع الأمة وقوتها المعنوية، التي انهارت بالاستبداد السياسي العباسي وبالنفوذ الباطني الذي عبث بوحدة المجتمع.

إذن نحن نخصص هنا هذا المدار الذي كافح فيه الإمام الغزالي، ولا نقصد بالضرورة تزكية كل ما أُسس عليه بعد معركة التهافت، في المبالغة في تعطيل الفكر الفلسفي، وبالذات في فلسفة العمران، التي تقوم عليها كليات الشريعة، لتحقيق النظر العمراني بين قرآن التنزيل وقرآن التشريع، وهو المدار الثالث لأضلاع الفلسفة، الذي عُطل في تاريخ المسلمين، رغم أنه أداة الاستخلاف الرشيد.

للحديث بقية.