من يحارب وائل حلاق في الغرب؟

مهنا الحبيل

لم يحرص وائل حلاق على أن يعطيني نشوة حول إيمانه بالإسلام، فهو لم يُغيّر تعريفه كمسيحي مؤمن بحضارة الشرق المسلم، ولم يُقدم نفسه شيخاً ولا عالماً أصولياً، ولم أحرص شخصياً على سؤاله. وإنما ركزت على البوابة التي يجب التعامل عبرها مع فلسفة حلاق، وهي التي يترتب عليها الميزان الموضوعي للتعاطي مع أفكاره، وهي الفلسفة الأخلاقية الإسلامية.

ما هو إيمانه الشخصي، هل يحدده فيصل التفرقة في كتاب الإمام الغزالي عن المؤمنين غير المعلنين في الإسلام، أو كانت له نزعة وجودية خاصة؟ هذه ليست مهمتي في التعامل مع فلسفة حلاق؛ قضيتي هنا في العلم نفسه، في مداره الفلسفي الجديد، الذي استفز على حلاق حرباً شرسة، اتحدت فيها الصهيونية والتيار المتطرف في المركزية الغربية.

وحلاق ليس معصوماً عن النقد، رغم كل ما قدمه، ولا الأستاذ الكبير د. طه عبد الرحمن، لكن إسقاط حقهما المتقدم في الجولة العالمية للمقاومة الفلسفية في تاريخ المعرفة في هذا العالم، ظلم وبهتان كبيران. وما على الآخرين من حرج في خدمة الرسالة الإسلامية، كلٌّ ومداره، ولكن لماذا يُدعم التحالف الصهيوني والمركزي الغربي الحرب ضد حلاق؟

إن النظر إلى العلم وتقييمه يحتاج، في الشريعة الإسلامية وفي مبادئها الأخلاقية، إلى مدارين رئيسيين: الأول إخلاص مهمة الطلب لله عز وجل، للمنفعة العليا للإنسان، ثم أن تصدق الله في بحثك، فتبدأ بالفهم فيما كُتب ومن كتب، لا أن تعقد النية على بناء جماهيرية لك، أو تحقيق نزوة صعود تيارك بمحاكمة العلم إلى شهوتك. فإن صدقت صدقك الله، وأنار بصيرتك ودربك.

لكن لماذا يظل حلاق يندفع في علومه بين الجدران الأكاديمية في الغرب؟ هل هو حالة نادرة؟

إن القصة هنا، كما يعرفها كل قريب من تاريخ العلوم الحديثة في الغرب، أن الغرب نجح في اختطاف الفكرة الإسلامية في الوقف، وأسند بها مؤسساته المعرفية الكبرى، رغم انحيازه الشرس وشراكته في قواعد الحصار والاستباحة للعالم الجنوبي. فكان رد حلاق أن البنية التي تسمح بها هذه الأكاديمية، ومساحة الاستقلال لأعضائها، لا تزال غير حاضرة في أكاديميات الشرق. وهنا تاريخ من الكتب ومن الشخصيات، حتى في الجناح اليساري الراديكالي، قد أسس نظرياته وأطلقها في الرواق الغربي، وكذلك فعلت شخصيات مسلمة عديدة في الإفادة من نفوذ الأكاديمية الغربية.وقناعة القوة الرأسمالية في الأكاديمية، بحضور هذا التمرد في مؤسساتها، سمح لها بأن تثري مكتباتها ورواقها بهم، وإن تعرّض بعضهم إلى حصار أو تصفية من قوى تنفيذية في العالم الغربي الرأسمالي.

غير أنه لا تزال هناك حشود ضخمة تدلي بكفاحها الفكري، من داخل أروقة الأكاديمية، ولذلك قال حلاق إن موقعه هنا أكثر استقلالاً وأقوى تأثيراً من أي أكاديمية في الشرق المسلم، وهذا صحيح.

ذكر لي أيضاً أن هناك اهتماماً كبيراً في الصين بترجمة كتبه، وقال إن العهد الصيني الجديد في الجامعات المتعددة في كوكب الصين، وقف عند عقيدته الفلسفية في مواجهة الغرب، بأن الفلسفة الإسلامية لها إطارها المختلف في منظومة الدولة الأكثر أخلاقياً، والأقرب إنسانياً لروح العدالة من نموذج الدولة الحديثة في الغرب، وأن الأكاديمية الصينية رأت في هذه المواجهة مدخلاً للعودة إلى تراثها القديم، للبحث عن بديل فلسفي لمنظومة الدولة، تحاجج به التفوق الغربي المرفوع ضدها.

ويهمني تعليق حلاق على هذا السياق، وإن أخذت به الصين، لكنها لا تملك المخزون المعرفي الضخم للإسلام. وهنا أستذكر النموذج الصيني المشوه اليوم، القائم على مشروع رأسمالي بشع، أخذ أسوأ نماذج الغرب للتوحش اقتصادياً، رُكّب على نظام أمني ماركسي عنيف ضد الروح وضد الحرية.

ولذلك ذكرتُ في مصادر أخرى أن النموذج الصيني لا يمثل حكمة الشرق القديمة، فنحن لا نعترض على البحث عن الأصول الأخلاقية في تراث الأمم، لكن التلفيق في النموذج الصيني لا يخلق منه شريكاً أخلاقياً حتى اليوم، وإن كنا لا نمنع الباحثين من الوصول إليه، بل نرغب في أن يُطرح في حوار المعرفة الجديد.

فهنا الاهتمام بفلسفة حلاق يتم التعامل معه في سياسة الفلسفة الأخلاقية المتمردة، التي جعلت منه شخصياً نموذجاً للمؤلف الهدّام للخصم الفلسفي، الذي قدّم فيه حلاق رينيه غينون. غير أن حلاق نجا من حصار الغرب لغينون، ثم أعاد بعثه حلاق، بعد أن همّش الغرب إرثه في مصر، واستثمر حلاق في قوة الأكاديمية الغربية. وأيضاً تحقق له دخل مادي جيد من كتبه، ولو كان في دولة مشرقية لا أظنه وصل إلى هذا المستوى الكبير في هز أركان الأكاديمية الغربية.

استدعيتُ قصة د. شحرور التي دُفعت فجأة إلى مكتبته المزعومة دون أن يكون لها جسم معتبر، وواصلنا الحديث عن هذه المسألة.