على مقربة من مونديال أمريكا

مهنا الحبيل

بين ملاعب الكرة وميادين المعرفة هناك رابط وصراع عكسي، حضر لدي في زيارة أمريكا الأخيرة، كنت ورفيق الرحلة في انديانا بولس قبل التوجه إلى محطات أخرى، نتحدث عن غياب أي مؤشرات احتفالية بكأس العالم، الذي تدور رحى معاركه اليوم، رغم أن زيارتي استبقت المونديال بأيام، فيما كانت المدينة تُحشد جماهيرياً لصالح بطولة الفورميلا في سباق السيارات السريعة، فالثقافة الأمريكية في الرياضة لها العابها وعالمها الخاص، بين السلة والرجبي والهوكي وكرة القدم الأمريكية، وعالمها لم يتطبع حتى اليوم، مع كرة القدم العالمية، الأكثر شعبية في الكوكب، لكن ليس الكوكب الأمريكي.

كان السؤال لماذا تُصّر الولايات المتحدة الأمريكية على رعاية بطولة الفيفا 2026، والجواب السهل هو أين تدور مصالح الرأسمالية هنا ستجد دوافع الرغبة التي استثمر فيها ملف الترشيح، ثم هيكلة الرئيس ترمب لما يمكن حلبه من البطولة، وهو مالم يتحقق لتلك الدول التي نظمت البطولة في أمريكا الجنوبية وغيرها، وخرجت منها صفراً أو بمديونية ضخمة

وسؤال التوحش الرأسمالي في عالم الرياضة، لا يقف عند المونديال، ولكنه قصة عميقة الألم، بحيث يُحتبس جزء من ثروات الأرض، في هذا العالم لمداورة المصالح بينهم، وهم غالباً شركات غربية متنفذة، تسيطر على الأسواق، وإن شاركها بعض وكلائها في بقية العالم الأسير تحت ضخ هذه المصالح.

إذن فالقضية هنا لها صراع عكسي، بين انتاج المصالح لعموم سكان الأرض، وترتيب الأولويات لصحتهم وبيئتهم، وبين سوق فاحش ضخّم الكرة المدوّرة، والمتعة الجماهيرية وصخب الملاعب الجذاب، وحولها طقوس أو سياحة أنس، تخفي خلفها حكاية المستثمر البشع.

وقد برزت هذه الحكاية في أسعار التذاكر ومحدودية الخدمات، والفجور في التدخل السياسي والقانوني، وقمع العالم الآخر، الذي هيكلته قوانين وسلطة إدارة الرئيس ترمب. فماذا بقي من مساحة حرة، يلتقي فيها العالم على تسابق نزيه يُعرّف الشعوب ببعضها البعض، ويؤنس المحزونين في كارثة العالم الحديث، اللذين تسحقهم الحروب والسقوط تحت خط الفقر، أو قصص النزوح والموت في سبيل الوصول الى عالم الشمال، وأين الحكاية الأخرى، التي ترقبُ فيها مشاعر الناس والبسطاء، وهم يتسللون إلى ما يمكن أن يصلوا إليه من اشتراكات أو جسور (غير قانونية) تُدخلهم في أجواء المونديال تلفزيونياً.

ومن موافقات الأحداث أن يحضر مونديال قطر 2022، في نسخة أمريكا 2026، حين تلفح وجوه الناس شروط التوحش الأمريكي في البطولة، ويستذكرون قصة الدوحة المختلفة، التي ضمنت لهم أجواء يحضر فيها الإنسان وتحضر قيم الشرق المختلف، وتسقط مزايدات العالم الغربي الضخمة، على مونديال الدوحة في قضية المثلية وغيرها، التي تَقَزَمّت أمام الغطرسة الأمريكية، على الحكام والفِرق وجماهيرهم.

فمن يحترم التعددية لشعوب الأرض بينهما، المبادئ التي تصون كرامة الإنسان قبائلاً وشعوباً وأفراداً، أم امبراطورية التفوق العرقي التي تشتعل في كل أركان الغرب، وتصدح في البيت الأبيض بكل وقاحة.

ونحن لا نتحدث عن نظام أخلاقي مقابل في عالم الجنوب، فواقع دوله لا يزال سيئاً وتخلفه عن مستويات الإحسان الإنساني ضخمة، بفساد ذاتي ساهم فيه المعسكر الغربي، ولكنها بقية القيم التي تتنفس في الفطرة، وتجد روحاً مختلفة عن مصانع الغرب، وانحيازات المنظمات الدولية.

وربما هناك بقية شعور لدى الناس في المدرجات وخلف التلفاز لا تزال قائمة اليوم، تنتظر هذا الموسم الطويل، لتعيد اكتشاف ذاتها أمام الآخر، اكتشاف ضعيف متردد في أحيان كبيرة، لكنه يَبرزُ أكثر أمام صلف الطرف الآخر وتطرفه ضد إنسانية العالم الأصلية. في هيوستن اختلف الوضع قليلا عن نيويورك وانديانا، وهي أول زيارة لي للمدينة ولولاية تكساس المهمة جداً، وعند أول الوصول في مطار جورج بوش، تحضر اللغة الأسبانية بسبب سكانها ذوي الأصول المكسيكية، فهنا حضور لإعلانات المونديال وإن كانت محدودة، القصة هنا أن هذه الأصول الاجتماعية تحضر لديها كرة القدم، واللغة الأسبانية تُردّدُ في كل مكان، فالولاية ذاتها اُخذت من الجغرافيا القومية للمكسيك، فأنت من جديد أمام اختلاط شديد بين رحلة العالم، جنوباً وشمالاً في أمريكا ذاتها.

يومين في هيوستن لكنها رحلة مكثفة، استقبلني فيها الأخ والصديق العزيز د. عبيدة فرج الله، رئيس تحرير مجلة التنويري، وهو باحث أردني إسلامي مهتم منذ زمن بتدافع الفكر العربي، نحو الوصول الى قواعد معرفة جديدة، وأبو عبد الله يدير اليوم نشاطه الفكري والإعلامي المزدوج، بين عمّان وهيوستن، وإضافة إلى كرم موائده المتعددة، فإن هناك مشترك مهم في حديثنا عن جدل الساعة المحتدم، في الأكاديمية الأمريكية وبين غياب المنصات العربية المسلمة في أمريكا عنها، له علاقة مباشرة بلقاء نيويورك المهم مع د. وائل حلاق، نعود له مستقبلاً.