الرحمة الإلهية للبشرية

مهنا الحبيل

لا تزال المفاهيم الكبرى للتفسير الكوني للقرآن الكريم غائبة عن هذا العالم، أو محدودة الوصول، وخاصة خارج العالم المسلم، بل إن الجهل بحقيقة الشرائع الكونية لغير المسلمين لا يستحضرها كثير من المسلمين أنفسهم. وجواب سؤال: من أين تبدأ علاقة الرب الخالق بخلقه، من هم، وما هم في خطاب الوجود وهل البيان المتتالي في القرآن الكريم، في تأكيد فريضة الإيمان ودفع النفس البشرية إلى الدين الحق، يتعارض مع الرعاية اللدنية الأولى فلنتأمل في رحلتنا مع كتاب الله هذا المعنى. انظر في معنى إعلان الإرادة المطلقة من الخالق ذاته، جل في علاه، إلى العالم، في قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. هنا تقوم قاعدة المرجعية التي تتحاكم إليها الرؤية الكونية في العالم، على قاعدة مؤسسة لهم في رحلة هذا الكوكب وهذه الحياة، بأنها إرادة وجود ورضاء مقدس بين الخلق، وأن الرحمة أصل في هذا الوجود. وعليه، فإنه من الطبيعي، ومن الشعور العفوي، أن تتحول هذه القاعدة إلى روح فاعلة بين البشر، لو أُسِّس عليها نظام خطاب عالمي، بأن إرادة الرحمة من الخالق يجب أن تحمل الخلق في شعوب العالم، على التراحم والإحسان لأنفسهم وشركائهم. وترجمة الخليفة الراشد الرابع في تاريخ المسلمين لهذا المفهوم جاءت في وصيته لأحد ولاته، وهو مالك بن الأشتر، الذي ولاه على مصر، ولم يكن غالب رعاياها من المسلمين في ذلك الزمن: وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ، وَاللُّطْفَ بِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ. لاحظ جمع الإمام علي لمعنيين هنا: تكافؤ الميزان في أصل الحقوق بين البشر، ولا يغير ذلك بعض الأمور المتعلقة بالمعتقد الديني؛ فالفضاء هنا في الأصل العام للشريعة. ثم انظر إلى طلبه الترفق بكلا الصنفين، وهو نظام ترددت نماذجه في الحكم الرشيد، وإن اختلفت الصيغ، كما أنه كان ديدن عمر بن عبد العزيز في رسائله للولاة وفي محاسبته لهم، وهو منهج تطبيقي لبلاغ الله عز وجل في علاقة النبوة بالناس، كل الناس، وذلك في قوله تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا). وبالطبع، هنا أصلٌ في البلاغ الديني، ولكنه لا يعني أن رعاية النبوات، وما يؤسَّس عليها من منظومة أخلاقية في العالم المؤمن بها، مختصة بالمسلمين. ومن هنا نفهم معنى ورود مصطلح أهل الذمة في الإسلام، ونتعجب من تشويه البعض له، أو مما بُلي به تاريخ المسلمين من نماذج سيئة باسمه، خالفت التوجيه الحقيقي للشريعة. فهنا الذمةُ هي الرابط القانوني الأخلاقي الذي يُحاسَب عليه المسلم إن لم يقم بحقه في الإحسان لمن دخل في ذمة المسلمين، من حيث مواطنته أو تعامله مع عهود المسلمين وعقودهم. وتعميم الإنذار والتبشير على الخلق، رغبةً في هدايتهم، في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) هو تأكيد لهذا السياق. وما حمله النبي صلى الله عليه وسلم من معارف وأنظمة أخلاقية، فإن تطبيقها يشمل هؤلاء الناس، دون أن يُلزم غير المسلمين بأمور التعبد، بل يكفل لهم حق (رفض هذا الدين)، ويشرع لحقوقهم جانبها القانوني الأخلاقي. إذن، مأسسة قاعدة الوجود في هذه الأرض، وعلاقتها بالله وأنبيائه، هي في الحقيقة أصل راسخ للرحمة بالبشرية، والقصاص قائم على من يرتكب مظلمة، أكان من المسلمين أم كان من غيرهم. إن فاتحة الكتاب، في سبعها المثاني، تؤكد هذا المعنى القدسي في إرادة الرحمة والتوفيق والنجاح لكل العالمين، من افتتاحها بالحمد لله رب العالمين، ثم تقديم صفة الرحمن الرحيم، وهو ما يجب أن يُترجم في الخطاب العالمي للمسلمين، وفي مشروعهم الإنقاذي للعالم الأخير.لكننا نعاني من تطبيقات مسيئة، ومن تفسيرات شاذة، ومن استدعاء فقه غلو في الزمن القديم والحديث. وأحيانًا يعلو عند بعض البيئات فقهٌ هو في أصله ردة فعل على مظالم متوحشة من الطرف الآخر، وإنما هم في الأصل مستخلفون بالإحسان، وبتحقيق مقاصد القصاص لمن يستحق. والله عز وجل، حين يبين رجوع كل الأمور إليه، كما في قوله تعالى: (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)، فهو مبدأ محاسبة علوي صارم لمن يحكم بدعوى أن حكمه من مقتضيات الشريعة، وليس بأن يُعطى حقًّا إلهيًّا لذاته أو نظامه، فيظلم الناس باسم الشريعة، ويعصم ذاته الفاسدة دون نقدها، بحجة الحق الإلهي. وقد يتورط البعض في ذلك عبر استبداده القهري السياسي، وقد يتزعمه مفهوم ديني منحرف يزعم أن له وصاية خاصة، وهذا الاستدلال عانت منه الأمة كثيرًا، منذ دعوة التشيع لبني العباس حتى التشيع لآل البيت اليوم.