الموقف القرآني من الفسق الديني
مهنا الحبيل
هناك تباين مركزي ضخم بين مفهوم حضور المرجع الأعلى للقانون الإسلامي في صورتين؛ نتناول إحداهما هنا، وهي مقارنة القانون الإسلامي بنتاج الانحطاط التاريخي لدى أمم أهل الكتاب، ولا سيما حَمَلة المرجع الديني (المقدس) باسم الكنيسة أو أحبار اليهود. وقد التحقت بهذه الصيغة، جهلًا أو فسقًا، كتلٌ من علماء المسلمين في أزمنة مختلفة، سواء أكان ذلك بدافع فساد شخصي، أم تمكين مذهبي، أم علوّ ذاتي؛ إذ يرى العالم (الفاسق) أنه يهيمن على جماعة بشرية متدينة، ويستثمر في تجهيلها لتحقيق مصالحه المادية، أو تعزيز نفوذه الاجتماعي بمداهنة المستبد.وحينما نقول إن ذلك فسق، فإننا نلفت النظر إلى تاريخ حاشد بضلال أحبار الدين في الديانات الثلاث. وإن كان ذلك يختلف عند المسلمين، فقد سادت في أممهم حالة من الجهل والعصبية بعد أن خالفوا القطعيات القرآنية، لكن منظومة جوهر الدين وتعاليمه لم تسقط بين المسلمين: النص الذي أُنزل في الوحي، ومثيله مما صح من السنة متنًا وإسنادًا، وتحريرات علماء التجديد الصادقين، ثم التجربة التاريخية منذ الزمن الأول حتى اليوم.ودعوني أفصّل لبيان الأمر.أول ما تُفاجأ به هو قوة النصوص القرآنية في التحذير من رجال الدين الضالين. ورغم أن هذه الموعظة القرآنية كانت فاعلة ومؤثرة في علماء الطليعة من سلف الأمة، ولا سيما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها بدأت تضعف مع دورات الاستبداد الأموي الأولى، التي واجهت معارضة شرسة من العلماء الأوائل، إذ اعتبروا أن أول تبديل فاسق في دين الله هو انتزاع حق العدالة السياسية منه.وهذا أمر غاية في الأهمية لفهم قيمة العدل، أكان سياسيًا أم اجتماعيًا أم اقتصاديًا، في القانون الكوني للشريعة الإسلامية. وهنا نجد أن الآيات القرآنية ربطت، كما في السنة النبوية، ذلك بكل من يقتفي أثر الأحبار الفساق من أهل الكتاب.وهناك تاريخ دموي وفظائع لا حدّ لها في جرائم الأديرة والكنائس، في الكاثوليكية الأولى، وفي الانقسام البروتستانتي الذي بلغت دموية توحشه حدّ الإبادة المتقدمة داخل الجسم المسيحي. ولم يسلم المذهب الأرثوذكسي أيضًا من هذه الصراعات.إن بيان القرآن يلفت النظر إلى دور التدين الفاسق في تحريف منظومة الحكم، والهيمنة الاقتصادية، ونهب حقوق الضعفاء. وهو يختصر لك تاريخ الكنيسة في الغرب. وليس ذلك حصرًا؛ فإن بين القساوسة والرهبان نماذج من العدل والنزاهة تستحق الوقوف عندها، لكنها قليلة، ولا سيما عندما بُدّل المعتقد الديني ذاته وحُرّف لمصلحة القسيس والملك.وفي زيارة سابقة إلى ألمانيا، وقفت على تفسير مهم لكثرة القلاع والكنائس: لماذا تنتشر، ولماذا استُنسخ ذلك في الغرب الجديد، في أمريكا الشمالية؟توثّق مصادر التاريخ الديني الغربي مرحلة مهمة من الصراع المسيحي-المسيحي، الذي سقط فيه ملايين البشر. ومن شواهد ذلك أن أحد بنود الاتفاق في صلح أوغسبورغ عام 1555م نصّ على أن سكان المنطقة التي تُنشأ فيها كنيسة باسم الحاكم الأمير يُلزَمون بمذهبه، كاثوليكيًا كان أم بروتستانتيًا، فتُعلن فيها ديانة المقيمين بحسب مذهبه أي يلزمون بما يدين به الحاكم (كاثوليك أو بروتستانت) يجب ان يبدلون مذهبهم. وقد يكون الإقطاعي المسيطر قسيسًا، أو تتواطأ الكنيسة مع الأمير لحصد مصالحها. ويطلق الباحثون الغربيون على هذه الظاهرة «التطييف المذهبي للمجتمع» (Confessionalization).هنا نجد أن حرية الدين قد نُقضت تمامًا، وأن هذه العصور الوسطى لم تكن انحرافًا روحيًا فحسب، بل كانت تأصيلًا شاملًا لتأميم حرية المجتمعات. وانظر، في المقابل، إلى اتساع الحريات الدينية في الحضارة الإسلامية. وإن وُجدت حالات صراع بين المذاهب الإسلامية، فإنها كانت محدودة، ولم يترتب عليها ذوبان الجسم المذهبي الآخر؛ بل بقيت الأديان قائمة بكنائسها ومعابدها المختلفة، ولم يستطع أحد أن يُسقط حق البيان القرآني: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.تبدو لنا الصورة واضحة الآن، ونحن نستدعي النص القرآني:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34].﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174].﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79].استمر هذا الانحراف المتقدم في تاريخ الكنيسة بعد نزول القرآن، حتى انفصلت الكنيسة عن الحياة العامة عقب ثورات الحداثة.للحديث بقية.
