النموذج البلجيكي في الجدل الحضاري
مهنا الحبيل
في ختام رحلة بروكسل عادت قصة عالم الأفكار، التي طرحناها مع الشباب في جولة متحف لندن؛ فبرز سؤال الحضارة من جديد.ماذا عن العهد التنويري في أوروبا الذي لا ننفي عنه مداراتِ فائدةٍ متعددةً لرحلة الإنسان في هذا العالم من حيث المعرفة والتقدّم العلمي؟ إلا أن الركن الكبير لمستقبل سلامة الإنسان هو النظام الأخلاقي الذي يُرفع به العمران؛ فلا تسقط حياة الفرد في آلة الصناعة والكسب الحرام.
هذا ما كان غائبًا في رؤية متحف بريطانيا. ولسنا هنا نُسقط ما وصلت إليه الأنظمةُ الحقوقيةُ الدستوريةُ لأجل المواطن بما فيهم القادم من الجنوب، لكن الفكرة لا تقوم على نجاحات جزئية، وإنما على عرض كامل اللوحة الحضارية وأثرها في هذا العالم.
قلتُ للإخوة في محاضرة بروكسل إن مسارات الحوار والجدل ليست واحدة، وهذا تحدٍّ كبير في رحلة المهجر الغربي للمسلمين؛ فنحن اليوم مواطنون، ولكن لدينا قواعدُ دينٍ ومنهجُ قيمٍ مختلفٌ عن قيم الحياة الحداثية في الغرب. وقيمُنا الذاتية في الأصل، حين نُطبّقها، فهي لا تُناقض مطلقًا التزامَنا القانوني ولا المرجعيةَ الدستورية. لكن الإشكال هنا أن هناك نقضًا ممنهجًا لمساحة الحرية القيمية والضمير الديني، وهي بنود دستورية وضعها الغرب لذاته بسبب حجم إنهاك الحروب الدينية في تاريخه، ضحاياها عشرات الملايين من البشر.اليوم هناك تسابقٌ في الدول الغربية على نقض هذه المواد؛ لأن بعضُ من يتمتّع بها المهاجرون المسلمون.
وأمرٌ آخر يُحفّز اليسارَ الاجتماعي في الغرب على نقض القيم الأخلاقية، رغم الغالبية التي تؤيد هذه القيم؛ وهو كسرُ أيِّ سور حمايةٍ للطفولة، أمام اجتياحات اللوبي الجندري والمثلي. فنحن بالفعل تقف قيمُنا ضد هذا الاجتياح لحماية الأسرة والطفولة.لكن هذا المدار ليس هو المدار الوحيد الممكن؛ فلا تزال المساحة بعيدةً لفهم قيم المسلمين. ولا نزال نواجه أزمةَ النظر إلينا من خلال سجونٍ ليست مليئةً بالمسلمين، ولكن وجودَهم ونسبتَهم ليست قليلة، بما في ذلك عصابات المخدرات والجريمة.
ولا يزال أثرُ السلوكيات السيئة لدى بعض المسلمين في الغرب، من غشٍّ وسوء تعاملٍ وكذب، يؤثر تأثيرًا كبيرًا، في ظل غياب النموذج المهتدي بأخلاق النبي.
بقي أن نوثّق قصة المقارنة الحضارية، وهذه المرة من بلجيكا؛ والهدف هنا يشمل مناقشاتِ المؤسسات الرسمية وبرامجَ منظمات المجتمع المدني في الاتحاد الأوروبي، التي يُطرح فيها سؤالُ المسلمين وعلاقتُهم بالعنف. وهو أيضًا نموذجٌ مهم يتكرر في أكثر من دولةٍ غربية بحكم المشترك التاريخي: أيُّهما الحضاري، تاريخُ أوروبا أم تاريخُ العالم الإسلامي؟
وبموجب ذلك، حتى اليوم يتم التشديد على المسلمين باسم الاندماج في قيم أوروبا. فما هذه القيم في معيار الإنسانية الرشيدة، في عهد التنوير الأوروبي نفسه، الذي أعلنَ تاريخه مرجعًا للبشرية؟
هنا نعود إلى قصة مبنى بورصة بروكسل التجارية، الذي توقفتُ عنده ثم زرته منفردًا. وما أسرده موثّقٌ في المصادر الغربية والبلجيكية. هذا المبنى أُسِّس عام 1873، ومثّل بعد ذلك حركةَ ازدهارٍ تجاريةً قويةً أنعشت الاقتصادَ البلجيكي؛ حتى إن وقت زيارتي كان هناك متحفٌ لقصة تقدّم صناعة البيرة في بروكسل، حيث تشير المصادر إلى الغنى والثروة والرفاه منذ ذلك العهد حتى عام 1960م.فما هذه الفترة التي لا يزال سؤالُ فاجعتها قائمًا؟إنها أسوأِ نموذجِ استعبادٍ مارسته أوروبا، ليس من خلال الاستعمار فحسب، بل باستعبادٍ وتملّكٍ للأرض قهرًا بالسلاح. ففي جمهورية الكونغو (البلجيكية) قُتل الملايين في تسخير
الشعب، وأُخذ الأطفال والنساء رهائن، وقُطعت الأيدي والأقدام للأطفال للضغط على الكونغوليين للعمل فوق طاقتهم. فظائعُ استمرت منذ مرحلة تأسيس البورصة نفسها، في عهد ليوبولد الثاني، حتى عام 1960م. ثم انتزعت الكونغو بعد كفاحٍ وطنيٍّ صعب الاستقلالَ، ومع ذلك لم يقدّم الملك اعتذارًا زمنها؛ بل أبدى أسفَه فقط.
وفي مراجعتي للسجل الحالي المعاصر، حيث يجثم هذا التاريخ على صورة بلجيكا في العالم، وجدتُ أن البرلمان البلجيكي أوقف مداولاته لمراجعة هذا العهد في عام 2022؛ لأنه لا يريد أن يُصدر بيانَ اعترافٍ تاريخيٍّ لأولئك الضحايا. بل إن بروكسل انقلبت على الحكم الوطني لباتريس لومومبا بعد الاستقلال، وعيّنت موالين لها، وظلّت تحلب ثروات هذا البلد، قضيةٌ لا تزال تنزف في إفريقيا السمراء.كل ذلك في عهد التنوير والحداثة؛ فأين هنا الميزان بين المسلمين وبين الغربيين؟ وهناك نماذجُ مشابهةٌ في دولٍ أوروبيةٍ أخرى. هذه الحقائق مع الأسف، تغيب عن أجيالنا في المهجر، وتغيب عن وعي المجتمع الغربي ذاته، الذي يحمل غالبه روحًا طيبةً فزعت من مذبح غزة، لكنه لا يعرف أن التأسيس لهولوكوست العالم الجنوبي وخاصةً في بلاد المسلمين قديمٌ، ولا يزال إرثه قائمًا.
