بلجيكا بين قصتين

مهنا الحبيل

أول مفاجأة سلبية في رحلة القطار السريع من لندن إلى بروكسل هي نقطة التفتيش؛ فبريطانيا بعد البريكست ليست كما كانت قبله في الاتحاد الأوروبي، وكأن الاتحاد الأوروبي يقول للبريطانيين: (زمان أول تحوّل). لكن أصابني أنا أيضًا بعض هذا التحول. كانت الصفوف مزدحمة جدًا في رحلات القطار السريع إلى بقية محطات أوروبا، ومن الواضح أن المبنى لم يستوعب التغيير الذي حصل بمتطلبات خروج لندن من الاتحاد، وفقدان ميزة التنقل داخل حدود أوروبا دون نقاط فصل وتفتيش. فكانت الإجراءات متعبة، خاصة أنك تسحب الحقائب المعدّة للشحن في هذا المسار الضيق، وترفعها إلى جهاز التفتيش. ولعل هذه ملاحظة أذكرها هنا لمن يخطط للسفر ما بين بريطانيا وبقية دول أوروبا في الاتحاد.

ربما الإيجابية هي أنني حين وصلت بروكسل لم تكن هناك أي إجراءات؛ فالتفتيش الدقيق والمشدد من لندن يُكتفى به، وكذلك لمن يذهب إلى لندن من دول الاتحاد الأوروبي. وأول ما لقيتُ به محطة بروكسل شخصية النبيل العراقي، الصديق والأخ العزيز أبو جلنّار، روح عذبة متدفقة أزكى من باقة الورد، المقدَّمة من المركز البلجيكي الداعي للمحاضرة. وشهادتي في كرمه يطول بها الحديث. تبادرنا النهار وطفنا على مركز المدينة الحيوي، قصة القصور والكنائس والمباني القديمة، ومزار مسيحي للتبرك يتمسحون به كركن الحجر الأسود، لكنه مرتبط بشخصية مسيحية ذُكرت عندهم في تاريخ الصالحين، وليس بالله الخالق. والحجر الأسود لا ينفع ولا يضر، وإنما التنسك عنده هو معنى التعلق بالتوحيد ورابطة العباد به في بيت الله.

ومركز بروكسل حيوي ومزدحم بالسياح. طفنا، بإلحاح كريم من مضيفي، بما اشتهر عندهم من الآيس كريم والوافل، حيث يتقاطر السياح على هذه المحلات التي أضحت محطة لمن يزور بروكسل.

ومن المناسبات اللطيفة دعوتي من مضيفي الكريم، لمطعم مغربي يقدم اللحوم الحمراء الحلال المختصة بشرائح (الستيك)، من أشهر أنواع لحوم الواغيو، وكنت أتجنبه لسبب صحي، لكن أبو جلنّار ألحّ عليّ. أما الشيف المغربي المتخصص بالشواء، فقد كان في غاية اللطف، وكذلك نوادل المطعم. وقد أقررت لصاحبي بأن ذلك الشواء من ألذ ما طعمتُ في رحلة المطاعم في سفري.

لفت نظري صديقي إلى مبنى مختلف، قال لي إنه مبنى بورصة بروكسل. هذا المبنى تأسس عام 1868م، وهو أحد الرموز الوطنية لمملكة بلجيكا، وقد تأسس في عهد ليوبولد الثاني. سنحتاج إلى العودة إلى المبنى وهذا التاريخ جيدًا في مقالات مستقبلية.

 شارع الممشى القريب من ساحة (غراند بلاس) ممتع جدًا، وأنت تعبره تبدو لك مظاهر التعدد، وخاصة الحجاب. وهو يتصل بطريق يأخذك إلى أحد مساجد بروكسل. فبعد استراحة قصيرة في الفندق، عدتُ مشيًا إلى المسجد الجديد (هكذا اسمه في جوجل). وأنت في هذا المسجد، وفي غيره، يُخيّل لك أنك في بلجيكا المغربية، حيث يُحيي إخواننا المغاربة الصلوات ويَرعَونَ المساجد، وهم الجالية المسلمة الكبرى في بلجيكا.

عدتُ للمسجد لصلاة الجمعة، ثم توجهت إلى مقهى قريب منهم، حيث تدور كؤوس الأتاي، ذكرتني بشيوخي الشناقطة في المدينة المنورة. وهو الشاي المغاربي المميز. فكانت جلسة لطيفة في المقهى وحديثٌ مع بعض الإخوة، الذين سبق كرمهم فأبوا إلا أن يدفعوا حساب الأتاي. وكان حديثًا ماتعًا بين ما تفرق فيه المسلمون، وخاصة في دخول شهر رمضان، وبين روح الإسلام التي تظل الحصن الأخير للفرد والأسرة المسلمة في ظل التحديات الكبيرة.

وبالجملة، بلجيكا أعطت مساحة لتواجد المسلمين الذين خدموا اقتصادها ومشافيها وغيرها، وهناك تقدير لذلك بين المسلمين. لكن هناك حملات تضييق تتزايد مؤخرًا، وهناك جريمة إرهابية مروعة استهدفت مطار بروكسل عام 2016، ولاحظت أثر التشديدات الأمنية في المطار، كما أنها استُثمرت ضد المسلمين من اليمين المتطرف، رغم أنهم كانوا شركاء في الضحايا. لكن قصة التطفيف في مواجهة أعمال العنف المتوحش لا تزال سارية في الغرب.

في الفعالية التي قدمتها، التقيتُ بنخبة جميلة من شخصيات الجالية من غزة ومن لبنان، والغالبية كانت من المغرب. طرحتُ في محاضرة “المنطلقات الحضارية في حوار الشرق والغرب” البعد الآخر الذي نحتاج أن نبينه لأجيالنا: كيف يدركون تميز حضارتهم الإسلامية وقيم الدين في الحياة المعاصرة، وكيف يفهمون الفرق بقوة قناعة غير مهتزة، ولا بعاطفة متوترة مع الشريك الغربي في أوطانهم.

عرّجت أيضًا على سؤال: كيف وماذا يقدم المجتمع المسلم لجواره المجتمعي، أو المؤسسات، كمبادرات إحسان تحقق قيمة التواجد المسلم الفارق الذي يرصده المجتمع الآخر؟ وهو بعدٌ ليس غائبًا عن النماذج والتجارب القائمة، لكنه لا يزال يحتاج إلى إعادة تذكير وتجديد وتأهيل لعبور آمن ونموذج قدوة لشراكتنا الوطنية كمسلمين في الدول الغربية.