Categories: مواد فكرية

جوناثان براون من الاستشراق إلى الاستغراب

جوناثان براون من الاستشراق إلى الاستغراب

مهنا الحبيل

كانت الربع الساعة الأخيرة من لقاء الباحث الأمريكي المسلم د. جوناثان براون، مفاجئة جداً لي، فمع تسلسل الأفكار المهمة التي تدفقت في حواره مع بودكاست نظر في الجزيرة، وغزارتها من حيث ما يهمني في جدل المعرفة الإسلامية والحداثة، والتدافع الأخير المهم داخل الأكاديمية الغربية، والذي تحضر فيه الفلسفة الأخلاقية الإسلامية، سواءً سُمح لمنابرها بالمرور، أو فَرَضَت معادلة الدمار المعاصر، وسياسات المركز الغربي الأخيرة، سؤالها الجذري، والذي يعتني به د. براون أيضاً، فإن موقف هذه الأكاديمية يظل مهماً، وحسّاساً لما يمكن أن نطلق عليه الجدل الحضاري. وهو أيضاً يُجسّد ما نسميه بالصراع الحضاري، حيث أزعم انه لا يمكن لطاولة حوار فلسفي دولي، أن تباشر زمن التغيير في العالم، الذي يحتاج قطعاً إلى رؤية كونية بديل، دون هذا الصراع، ولقد سبق أن حددت كنموذج للقياس، سهل الالتقاط والفهم، للقارئ العام وليس الباحث المتخصص فقط، الأفكار المؤسِسة لمآلات جزيرة ابستين، وقصة الشراكة الأصلية لنفوذها في هذا العالم، رغم أنها ليست هي النموذج الوحيد، ولكنني هنا أراها مجسدة لنموذج الصراع، الذي ورد معناه في الذكر الحكيم، لفهم طبائع الضلال حين تنحرف عن الفطرة، وتكون مركزاً لمعقل الشيطان كرمز وجودي لترصّد الشر الأكبر بالكوكب وسكانه. ولذالك نستدعي قول الله سبحانه وتعالي، في آية التدافع في معنى هذا الصراع، ففي حين ورد مصطلح الجدل في القرآن الكريم في موضع آخر، يقول تعالى في سورة البقرة (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)، فيما تعدد ورود مصطلح الجدل في مواضع مختلفة من القرآن الكريم، تعطي مساحة واسعة من حركة الحوار بين البشرية في هذا العالم، ومنها قوله تعالى في سورة النحل (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). هذا التعدد في مواضع الجدل لا يقف عند الحوار بين المسلمين وذاتهم، بل بين البشرية كلها مسلمها وغير مسلمها، وتعدد ورود المصطلح بذاته، وموضعه في القرآن الكريم، يعطيك مؤشراً ملهماً، لقصة القرآن الكريم في كل تاريخ الوجود البشري، وهنا عند العودة إلى قاعدة الأصوليين، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإن من مقاصد الجدل، الوصول إلى سبيل الله لإنقاذ البشرية، وأن من الطرق إلى ذالك الجدال بالحُسنى، وهي قضية لامسها د. براون فشدني إلى حديثه، مما يلزم أن أؤجل حديث الربع الساعة الأخير في حوراه للمستقبل. أول ما أنطلق به هنا وأحرص عليه دوماً، أنه حينما يكون حديثي عن مادة محددة، لمفكر وباحث، أضع لنفسي مساحة، تَحذر من إطلاق الحكم على فكره بالمجمل، فرغم أنني عُدت إلى المصادر والتعرف لمجموعة كتب د. براون التي تُرجمت إلى العربية، وخاصة في علم الحديث، إلا أن هذه المراجعة ولو كانت مركزة فهي لا تستوفي حق عرض فكر الرجل ولا مسؤولية نقده مطلقاً، وحين بدأتُ البحث عن شخصية د. براون ونشاطه الفكري، شعرتُ أن السياق الذي يقدمه ينسجم مع تيار التراث الأخير في الشرق المسلم، ولعل هناك تقاطع بينه وبين د. وائل حلاق، لكنه يغوص أكثر في مدار العلم الإسنادي، في تاريخ التشريع الإسلامي، وخاصة في علم الحديث. والسُنة النبوية في الهدي المركزي لتاريخ التشريع الإسلامي، هي المصدر الثاني لا من حيث الهوية المذهبية لأهل السُنة، وهذه قضية بالغةُ الدقة، ولكن من حيث أنها منهجية البناء والدفاع عن التشريع الإلهي الذي نَزلت به الرسالة، ورَبطت ما بين تاريخ النبوّات، وهذا ما شدني في منظومة جوناثان بروان لهدم أساسيات الاستشراق، فهو تُراثي النزعة. وألفت النظر هنا، إلى شرحنا المفصل في مصادر أخرى، فيما نعتقده، مجسداً للمعيار الإسلامي اليقيني، بالفصل بين الكتاب العزيز وصحيح السُنّة النبوية، ومن ثم درجات مصادر التشريع، والتحفظ على دمجها في مصطلح التراث، الذي سأعود لإشكالية استخدامه مستقبلاُ. يستطرد د. براون بعد قصة إسلامه المؤثرة، في رحلته التراثية، وتعجب من روح القانون الأخلاقي للباحث، حين يرتفع بتحرير الرأي وخلاصة الفهم، وهو يراجع ارث المدارس الإسلامية، ويقف بين أهل الإسناد وعلم الحديث، من البخاري والدارقطني، ومحمد أبو زهرة حتى الألباني والشيخ ابن عثيمين، وهو يسعى لفهم تعدد المدارك والتَتَبعات، وليس الاعتذار العاطفي، لوضع سياق تنتخب فيه ما يغني في الفهم والمعنى، في التعامل مع تراث العلماء، بعض النظر عن أخطائهم أو تصادمهم في بعض المدارات وهذا مسلك رائع في القانون الأخلاقي للباحث، وهنا فاجئني بروز مصادر، دون أن أسعى لها، تهاجم د. براون من تيار التراث أيضاً، فعاد بي الأمر إلى نقطة الوعي الأصيل في أزمة الجدل الديني الأخير.للحديث بقية

mohana63

Recent Posts

سكينةُ الفجر في لندن وحوار متحفها مهنّا الحبيل في برنامج الجولة الأوروبية الأخيرة بين لندن…

3 ساعات ago

مشاهدات وأفكار بين لندن وبروكسل

مشاهدات وأفكار بين لندن وبروكسل مهنّا الحبيل هذه المرة تساءلت: هل ستبقى لندن من المدن…

3 ساعات ago

دور الأفكار في المآل الأخلاقي للعالم الحديث

دور الأفكار في المآل الأخلاقي للعالم الحديث مهنا الحبيل أشرنا سابقاً، في مفصل مهم إلى…

3 ساعات ago

الحضرة الإلهية في الرحلة الاستشراقية

الحضرة الإلهية في الرحلة الاستشراقية مهنا الحبيل استدعى جوناثان براون في حديث بودكاست نظر، قصة…

3 ساعات ago

الرابط بين جزيرة ابستين و (جزيرة) الصهيونية

الرابط بين جزيرة ابستين و(جزيرة) الصهيونية مهنا الحبيل ألسنا اليوم أمام حقيقة موثقة في الترابط…

3 ساعات ago

المسلمون في اليونان

المسلمون في اليونان مهنا الحبيل خلال الجولة مع الشيخ شادي رنّ هاتفه أكثر من مرة،…

شهر واحد ago