Categories: مواد فكرية

مشاهدات وأفكار بين لندن وبروكسل

مشاهدات وأفكار بين لندن وبروكسل

مهنّا الحبيل

هذه المرة تساءلت: هل ستبقى لندن من المدن المفضلة لدي؟ وقد كانت كذلك منذ أول زيارة، وللتوضيح: إن رحلة الإنسان المسلم، وثقافة سعيه وتدبره في البلدان والمجتمعات، لا تقف عند مفاصل الصراع الحضاري الذي حررناه في مشروعنا الفكري ولا نزال؛ وإنما تمتد أيضًا إلى فهم تفاصيل المجتمعات، وعلاقتها بالأرض وبالأفكار، وواقع القيم الذاتية لديها، حتى لو كانت قيمًا أو طباعًا حسنة، فعند بعضها مدار فطريّ؛ نحتاج أن نعيشه ونعايشه مع الآخر، لنفتح الأبواب والنوافذ في العلاقات الإنسانية، ما دامت قواعد البيت مطمئنة. فالإحسان بين الخلق والتعاضد هو الأصل قبل الصراع والكراهية، منذ قصة قابيل وهابيل القرآنية.كان الهاجس هو هل سأجد أثر العاصفة اليمينية، فتسقط حكاية «جمهورية لندن»؛ ذلك الانسجام الذي أرصده بين شعب لندن وتلك المجتمعات المتعددة الضخمة؟ فمن وراء تاريخ بريطانيا الاستعماري القديم، أصبحت هذه المجتمعات اليوم جزءًا من أرضها، بل وقصة نجاحها، وحيوية مرافقها السياحية. حتى الملك تشارلز، الذي صعد منبر الكونغرس مثقلًا بحمل تاريخي من بروتوكول الملكية البريطانية، التي كانت محل سخرية العالم الأوروبي الحديث، فاجأ العالم بظرافته وبدرسه الناعم القاسي لسيد البيت الأبيض!الحقيقة أن خطاب الملك تشارلز، وهو هنا المرجع الأعلى الرمزي لدينا في كندا، يؤدي المواطن قسمه له، لا لرئيس الحكومة التنفيذية كما هو في أستراليا ونيوزيلندا يطرح مفارقة لافتة؛ فهذه دول تستطيع أن تطرد التاج البريطاني، لكنها لا تريد، وتشعر أن لهذا التاج رمزيةَ استقرارٍ مهمة. وحتى الشعب الإنجليزي في المملكة المتحدة لا يزال يتمسك بالملكية، وإن أمطر على الملك وقبله والدته الملكة الراحلة إليزابيث وابلاً من السخرية. ولكن الأمر قد يختلف في إيرلندا وإسكتلندا وويلز، وإن بقيت الغالبية مع الملك وهو الحاكم الأعلى لكنيسة إنجلترا.أنت هنا مع خليط من التاريخ الاجتماعي والديني والسياسي، يُطرح لديك سؤالًا كبيرًا: هل الصراع الأوروبي مع أمريكا مختص بترامب؟ والخلاف حول حرب إيران، وهل حرب أوكرانيا والانقسام حولها، وزحف القطب الروسي، خلافات سياسية عابرة؟ إذن لماذا تحشد أوروبا اليوم لمشروع الجيش الأوروبي المشترك، المستقل كليًا عن واشنطن؟هنا مفصل مهم في مراجعة التاريخ الأوروبي الحديث، بما فيه مشروع الاتحاد الأوروبي؛ وهو مشروع نوعي في نجاحه، وربط الشعوب والدول بجغرافيا متناسقة ومشتركة في المصالح والدين المسيحي ودين الإلحاد!ولكن مع ذلك، هناك فجوة ضمير تتسع فيما بينها؛ ولعل الخوف من الذات المسلمة في مواطنيها، رغم قلتهم كنسبة في كل إحصائية، إذ لا تصل إلى 6% في أعلى الأرقام، يتبدى في ذلك الثوران (ولا أقول الثورة) الذي تتنافس فيه دول أوروبا قبل أن يسبقهم ترامب لإسقاط الجنسية، وحجب المواطنة. فهو في الحقيقة صدى لأزمة الذات الأوروبية التي تخشى ألا يصمد مشروع اتحادها.فاليمين الاجتماعي المتشدد يتكتل على ذاته في كل دولة، وهناك إشكالية عميقة في بعض دول الاتحاد الأوروبي، كبلجيكا وهولندا؛ وهي أن القومية متعددة. فعلى سبيل المثال، في بلجيكا ثلاث قوميات ولغات؛ هي أوروبية نعم، لكن لكل منها إرث ثقافي ولغة خاصة. ولذلك فإن ربط الانقسام الاجتماعي بقضية اللاجئين والمواطنين من أصول غير غربية لا يمثل كل الحقيقة. هنا هبطت طائرتي إلى لندن في ظل هذه العواصف الفكرية والأحداث السياسية.لم أعبر على موظف الجوازات؛ فالمواطنون الكنديون تشملهم البوابة الإلكترونية. وخلال ثوانٍ عبرتُ نقطة الجوازات، وتوجهت إلى القطار السريع على خط إليزابيث. ورغم أن لي زيارات سابقة للعاصمة البريطانية، فإنه لا بد من السؤال والتحقق من الطرق. ألغيت فكرة (التاكسي) المعتاد من لندن، وكنت أتحمل التكلفة المادية لأنه أريح لي من جرِ الحقائب، خاصة لمن يعاني من مشكلة (الديسك)؛ كتب الله الشفاء للجميع.لكن مع بعض الإضرابات، تعيّن اللجوء إلى القطار السريع. وعند كل موقع احتجت إلى الاستيضاح، كان التفاعل والحرص على الإجابة في أفضل حال. ومن الملاحظات المهمة أن سؤالي كان يلقَى تجاوبًا من الإنجليز من أصل غربي؛ فروح التعاون والصداقة التي يُعبَّر عنها بمصطلح (friendly) لم تتغيّر. وحين نزلت بقرب الفندق كان الشارع الملاصق له مغطى بأعمال صيانة، فلم أهتدِ إليه، رغم أنني لم أكن بعيدًا عنه. فاستوقفت أحد المارة، ثم انتبهت وشعرت بالحرج.فالرجل قادم من إحدى المدن البريطانية، لكنه بكل ود وتفاعل ووضع حقائبه جانبًا، واستخدم جهازه وحدّد لي موقع الفندق بالضبط وكيف أصل إليه. إذن لم أجد شواهد تُعكِّر على السائح مزاجه، خاصة ممن تبدو على محياه أصوله العربية. لكن وقعت لي حادثة بسيطة عند مدخل الفندق في اليوم التالي، إذ اصطدمت بجسم عند خروجي لصلاة الفجر.للقصة بقية.

mohana63

Recent Posts

من يُفتي العالم في النظام الكوني؟

من يُفتي العالم في النظام الكوني؟ مهنا الحبيل استمر توظيف الدين بحسب المصالح بعد القرون…

أسبوعين ago

الموقف القرآني من الفسق الديني

الموقف القرآني من الفسق الديني مهنا الحبيل هناك تباين مركزي ضخم بين مفهوم حضور المرجع…

3 أسابيع ago

الرحمة الإلهية للبشرية

الرحمة الإلهية للبشرية مهنا الحبيل لا تزال المفاهيم الكبرى للتفسير الكوني للقرآن الكريم غائبة عن…

3 أسابيع ago

في تحية الفيلسوف الرئيس

في تحية الفيلسوف الرئيس مهنا الحبيل على مقربة من البلدة القديمة لسراييفو، قصة تاريخٍ للمقاومة…

3 أسابيع ago

مستقبل سراييفو السياسي

مستقبل سراييفو السياسي مهنا الحبيل لا شك في أن تركة اتفاق دايتون في النظام الدستوري…

شهر واحد ago

البوسنيون والتقاطع الحضاري العالمي

البوسنيون والتقاطع الحضاري العالمي مهنا الحبيل تجاوب فريق مطار سراييفو بسرعة مع ازدحام صالة المسافرين،…

شهر واحد ago