حتى لا يضيع الدليل اليقيني في ملف إبستين

مهنا الحبيل

قد شكّلت إثارة قضية ملف إبستين حدثاً عالمياً، بدأً من الغربل لوقد ينتهي إليه، وهذه هي الكارثة، بسبب قوة التوجيه المركزي النافذة على العالم التي يمتلكها الغرب الأمريكي والأوربي معاً، وقضية إبستين ليست حدثاً عالمياُ، ك (واتر غيت) على سبيل المثال، ووتر غيت في أصلها قضية فضيحة أمريكية سياسية، تثبت التدخل البنيوي في إدارة الحكم الأمريكي ضد العدالة، في زمن الرئيس نيكسون، استَخدم فيها الحزب الديمقراطي آلية تجسس، فهي صدمة للذات الأمريكية، توسعت عالمياً في ملفات موازية، تثبت نفاق الرئاسة الأمريكية في ملفات عدة. هذا النفاق في الأصل لا يحتاج إلى أدلة، فسياقات السياسات الأمريكية لكلا الحزبين، تكفي لإثبات جوهر هذا النفاق، لكن السردية المتمكنة هنا، هي إعادة توجيه المسرح الخبري في العالم من وإلى الغرب، وإعادة تدوير الحكاية في عالم (متقدم)، هو من يجب أن يقود العالم في تراتبية الأفكار، وحضور الأحداث في ذاكرة الشعوب، وبالتالي يُعاد تصميم المسرح الى منصة وجمهور، المنصة هنا الغرب وهو من يُجلِس الجمهور (العالم الجنوبي) في مقاعد المتابعة. ورغم أن قضية وترغيت لا تساوي شيئاً، أمام مجمل السقوط ذو الدلالة (الكونية) وسأشرح لاحقاً لماذا هي دلالة كونية لقضية إبستين، فهي تأكيد بين مسارين للنفس البشرية في كوكب الأرض، مدار حضارة ومدار انحطاط شيطاني، وهناك قضايا قد تكون أوسع للتمثيل، لكن الخطورة تكمن في تحويل ملفات إبستين لمجرد فضائح سياسية، في دورة سقوط غربية، يطوي قصتها ذاتُ الإعلام الذي فجرها، فتعود الحكاية إلى المسرح والجمهور الذي تُشرف عليه المركزية الغربية. ولن يعالج هذا الاختطاف كثرة المقالات والبوستات أو مواد اليوتيوب، وغيرها من وسائل النشر عنها، فلا بد من ربط الوعي الفكري الإسلامي، ثم الإنساني بدلالة الجرمية (كونياً)، وعلاقتها بالبعد الأخلاقي والفلسفي، للنظام الدولي الذي يحكم العالم عبر المركزية الغربية، وضلعها الصهيوني المستثمر، لا من خلال خطابات عاطفية، ولكن استدلالات شواهد يقينية تَبرز بعد تفكيك الملف. وهنا يعود سؤال الهيمنة الإعلامية الغربية، وأثر سيطرتها المدمر على مستقبل الوعي التحرري الجديد للأسرة الإنسانية كلها. فنحن نواجه الحقيقة المؤلمة في تاريخ العالم الحديث، وهي قلة أو محدودية مصادر النشر، والإعلام في الخبر النزيه والصادق، وأن المساحة التي خلقتها الرحلة الغربية في دولها وبين مجتمعاتها، في نقد الحكومات والهيئات السياسية، لا توجد في العالم الآخر، أو أنها مطاردة، أو مهيمن عليها من قدرات الدولة الفاسدة، أو القمعية في العالم الجنوبي، والذي يشمل الشرق المسلم، وحتى المساحات التي تحققت في الشرق المسلم، أو العالم الجنوبي من الحريات، تخضع لنفوذ ضخم للدولة العميقة في هذا العالم، خارج السور الغربي. ورغم أن الحرية التي يكتسبها الإعلام الغربي، موثّقة بقيود ضخمة لا تتعدى الخطوط التي رسمها الغرب السياسي لمفاهيم الحرية، والإنسانوية، أكانت معارضة أو موالية للحكم، إلا أنها تكتسب هذا الانبهار والمتابعة من بقية العالم، وعليه تعود عجلة التدوير لديهم، وهو ما قد يُجحف بمصادر شرقية أو جنوبية، لا يُلتف لها بسبب فقدان الجمهور العام، لثقته بها بناء على سجل مطاردة الإعلام الحر، في بقية العالم، مقابل الحالة الغربية، ولشدة البأس على الحريات في عالم الجنوب، ولم يكن لمادورو أن يُختطف لولا أن إرثه في فنزويلا، كان شرساً على الحريات، وهذا لا يزكي المعارضة الوظيفية، التي واجهته باسم العلو الأمريكي. إنه من الخطير أن يُغفل عن أهمية إخضاع ملفات إبستين وجزيرته، لدراسات عميقة تعيد قراءة الملفات، وتفرز منها الخلط الخاطئ، أو الإضافات غير الحقيقية، ثم تعيد بسطها وتفككها، وتنظم للرأي العام، دوافع سلوكها وجذورها، ورابطتها بالمؤسسات والشخصيات من حيث العقيدة الرأسمالية والوجودية المطلقة للنزوة، التي تحكم كل ما يحيط بالإنسان اليوم حتى فضاء الفنون والأزياء، بل تحدد حتى الساعة، أين هي شروط التقدم لدول عالم الجنوب وأين هي مظاهر التخلف. هذا التفكيك الإستراتيجي الفكري، يحتاج الى تحالف واسع من مراكز الدراسات الإسلامية، وحتى الأخلاقية، التي تؤمن بضرورة البحث عن الحقيقة، وتنشر خلاصات ما وصلوا إليه، في كتب، ومنتجات إعلامية سهلة الوصول، هذه الشواهد التي سنتناولها لاحقاً، تحدد أين مصدر التمويل الفكري، والتسويقي الذي جعل من إبستين شركة دولية في العلاقات العامة، لم تُسقط فقط قدرات المتابعة القانونية عنها، في جرائمها الشنيعة لعقدين، ولكنها غطّت مشاريع وجسور للعالم الغربي السياسي وبعض خططه في الشرق، خدم فيها إبستين توحش السوق الرأسمالي، الذي لا يزال يفتك بالعالم، ولا يزال يخلق له مبادئ مضللة سرقت من الإنسان حقيقة حياته، وحطمت الفضيلة واجتاحت قدسية الطفولة. للحديث بقية