الباحث الغربي بين السُنّة النبوية والنظر العقلي

مهنا الحبيل

يطرح د. جوناثان براون رؤية نقضية لمنظومة التشكيك في علم الإسناد، وهو طرح يواجه تحالفاً صعباًَ من ارث الاستشراق الغربي، ومن خصومة الطوائف المختلفين مع مصدرية السُنّة النبوية، ونقصد بذلك حركة التأليف والنقد، لأصول أهل السُنة، من بعض أهل القبلة من الشيعة وغيرهم، والضلع الثالث هو منظومة تحالف لمناهج العقلانية العربية المعاصرة، وبعضهم يوصف بالمفكر الإسلامي، رغم أنهُ مجرد صدىً لمنهجية العقل الغربي، المتحفز ضد الشريعة الإسلامية، لكن هذا الطرح يتقاطع جزئياً مع شخصيات معتبرة في الفكر الإسلامي، دون أن تُسلّم للمنهج العقلي الغربي.

وهو مسار يحتاج تفصيل دقيق، فمناقشة متن الحديث، من حيث مخالفته لقواعد التشريع الكبرى، وقطعي الوحي المنزّل بحسب ظن هذا العالم أو ذاك، ليس أمراً حديثاً، بل متقدم في مداولات علم الإسناد وجدل المحدّثين والفقهاء، حتى علماء الشريعة الكبار المتأخرين، وأحدهم العلامة محمد أبو زهرة، الذي أكد براون تأثره وانتفاعه بعلمه، ولذالك أكدتُ هنا الفرز في النظر العقلي لمطابقة النص أصول الشريعة، فليس كل من خاض فيه متأثراً بالعقلانية الغربية المجردة.

إن أحد إشكالات الجدل الترثي الأخير، هو جهل بعض حملته، أو أثر صَخَب الصراع في أوساطه، الذي كاد يُسقط ما عُلم من الدين بالضرورة، عن معنى تقدير التعبد بالنظر العقلي، الذي فطره خالقه، وتثبيت الحكم العقلي في النظر، يُورَد منهجياً في مقدمات العقائد عند أهل السُنّة في المذاهب الأربعة، وغيرها، وراجع إن شئت مقدمات العقائد عند مدراس أهل السُنّة تجد تثبيتاً وشرحاً للحكم العقلي.

وهل تعبد الله عباده إلا بالعقل الذي فطره فيهم؟فلنقف مع بعض هذه الآيات لنتبيّن المعنى يقول الباري عزّ وجل في في سورة العنكبوت:﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ وفي سورة البقرة (كذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وفي التدبر في حكمة التسريع القانوني (وَلَكُمْ فِى ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌۭ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) وكل ما ورد من دعوة تفكر فأداته العقل قطعاً، من يقين الخلق الأول حتى حِكم التشريع التفصيلية، نعم قد لا تُدرك كل علّة للأحكام، لكن التعبد بالنظر العقلي مما يُعلم من الدين بالضرورة، وهو أداة اليقين التي احتج الله بها لعباده كما هو في سورة آل عمران:(وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًۭا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّار)ِ. وقد يستغرب البعض، كيف أورِدُ هذه الحتمية العقائدية هنا، وهي مسلّمة، ولكن مع الأسف أن هذا التسليم بات مضطرباً، في جدل التراث الأخير، وخاصة في فهم الوعي المركزي للتدبر الإيماني والتشريعي، فيقفز البعض عند أي مراجعة لفهم نصوص السُنة النبوية، ويدرجها في خانة الهزيمة أمام العقل الغربي، وهي أصل تشريعي قديم، ومركز تفكّر قطع به القرآن، ولذالك أكدتُ أهمية فرز مشروع العقلانية الغربي، عن مدار الحكم العقلي في الشريعة، بنص الوحي، وما تقدم من تأصيل من علم العقائد حتى علم الأصول، وأن هذا المراجعة منفصلة عن المنظور العقلي الغربي، الذي يرفض الوحي القطعي، فهنا افتراق ضخم.

أما اتجاه جوناثان بروان، فقد أبحر فيه مع مفهوم مهم، في تاريخ التشريع الإسلامي السُني، وهو صيانة نص البلاغ، والحفاظ على أصل النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حيث جوهر السُنّة النبوية، ونُذكّر به هنا، في سياق شرحنا لهذه الظاهرة، وعلاقتها بسؤال الرؤية الكونية البديل للعالم، التي تبعث سؤال الأفكار المنقذة في الإسلام أمام الباحث الغربي. ومما يعضد هذا المآل أن من حفظ البلاغ المقدس في الإسلام، حفظ ما يوازيه من السُنة النبوية، وقد تعبد الله الأمم السابقة بهذا الحفظ، لكنهم فرطوا بواجب الحماية للنص من رسالة موسى، الى رسالة السيد المسيح عليهما السلام، فكلهم كان مؤتمناً على حفظ شريعته، فيما حفظ أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم، نص الوحي المطلق بين اللفظ والمعنى، والذي تعرض لحركة دس ضخم، كان أهم دوافعها، الاستبداد السياسي، وفوضى الاسترزاق بالنص الديني. إن نجاح القرون الأولى في فرز ذلك الكم الهائل، وتنقية السُنّة منها، هو بذاته دلالة تاريخية لمصداقية النص، وهو العنصر الثاني لجذب الباحث الغربي الجديد، في الدراسات الإسلامية اليوم، أما الجاذب الثالث فهو البعد الأخلاقي المتصل بضمير الفرد، وليس بمرجع العقوبة أو الهيمنة، فهذه الشرائع تنظمها الأحكام الإسلامية لصالح أهل الأرض لا المسلمين وحسب، وهذا الأمر هو أحد دوافع المراجعة التدبرية، في المتن سواء لدى أهل الحديث أو أهل الفقه، للتثبت من اتحاد المقصد والتشريع، دون أن يُسقِط ذالك نصاً قطعي الدلالة والثبوت.