حوار مختلف مع وائل حلّاق
مهنا الحبيل
قبل هيوستن، التقيت في نيويورك بوائل حلاق، أستاذ الفلسفة الأخلاقية الإسلامية في الأكاديمية الأمريكية اليوم، ولذلك حضرت قضية الصراع الفلسفي في مداولة الحديث الفكري مع د. عبيدة فرج الله، وعلاقته برسالة الحوار الثقافي العربي ومستقبل عرب أمريكا، ومعنى حضور الفكر الإسلامي في هذا المستقبل له، وخاصة أن تكساس ذات حضور عربي قوي، بشراكة مع مجتمعها المسلم الواسع، وهذه قضايا قد تكون مطروحة في نشاط مؤسسات وأساتذة في الجامعات الأمريكية.
غير أن البحث عن معاهد ومنصات متخصصة، تؤسس لوضع مدار فكري لمستقبل الأجيال، وشراكة في الجدل المعرفي القديم والجديد، لا يزال غائباً، أو ضعيفاً للغاية، وكأن ظاهرة التمرد الفلسفي على الأكاديمية الغربية، التي أشعلها حلاق، لا علاقة لها بمسلمي أمريكا، وهو الحديث الذي تداولنا فيه مع د. عبيدة، قصة الغائب الكبير في منصات الوعي الأمريكي للمسلمين، برجاء تفعيل بعض الندوات مستقبلاً في أمريكا الشمالية، ليس لحوار الذات المسلمة فقط، بل لكل شركاء التمرد الأخلاقي الجديد، الذي نقلته ملحمة غزة، من الجُدُر الأكاديمية المصمتة، إلى التفاعل مع الروح الإنسانية المعذبة، والتي يشارك أنينها أمريكيون بيض، وليس فقط عالم الجنوب الآخر.
سألت وائل حلاق: ماذا تعني لك غزة هنا؟ وذكّرته بالفصول القوية التي حررها في قصور الاستشراق، وخصصتُ لها دراسة معمقة في جدل ثالث، قال لي: لك أن تتصور أن تحريرات علاقة الأفكار المؤسِّسة للإبادة في الأكاديمية الغربية مع الصهيونية كانت في 2017؛ اليوم جاءت لحظة تاريخية لهذا العالم الحديث، توثق إدانة قصور الاستشراق لشركاء الإبادة، في جحيم الهولوكوست الأكبر ضد الإنسان اليوم.
كنتُ قد راسلت وائل حلاق منذ مدة، ثم تعمقت الصلة في بعض الحوارات، لكن لم نلتقِ مباشرة رغم المشترك الكندي، فمنذ انتقاله من جامعة مقيل إلى جامعة كولومبيا، انخرط في فلسفته الجديدة، أو قل ثورته على الأكاديمية الغربية، شكرت له الترحيب السريع باللقاء، وحددنا الموعد مسبقاً، لكون صيف حلاق يقضيه في الشرق، وعليه عدلت تاريخ تواجدي في نيويورك.وقد سمعت نقداً متعدداً عن د. حلاق، وقد أفهم خلاف الآخرين معه، ولكن ليست مهمة دراساتي أن أكون حكماً بينهم، إنما رسالتي تحرير المقصد المعرفي للفلسفة الأخلاقية اليوم، وجهود حلاق فيها، ودائماً أضع مسافة في تقدير واحترام طبائع الناس والشخصيات الفكرية، فتجربة العمر وتعدد معارفي، منحتني مقدمات مهمة في احترام خصوصية الأشخاص، اتفقت معهم في الأفكار أم اختلفت، لكن وائل حلاق أقبل علي وكأني أعرفه منذ 20 عاماً، سلام حار كما يفعل الشرقيون، وطبائع مختلفة عن البرود الغربي.
في ذلك المطعم الإثيوبي، اندفع معي وائل حلاق في رحلة مهمة أجابت عن أسئلة لفهم حياته، كثائر من قلب الأكاديمية الغربية، وقد يكون إدوارد سعيد مثل هذه الحالة، لكن سعيد حرر التمرد الأول ضمن تحالف يساري هز فيه نظرة العالم إلى الاستشراق، كعلم موضوعي مزعوم، وفضح خططه الخاصة، ومع ذلك اهتز له عرش الروم الأكاديمي، فماذا فعل حلاق مقابل ذلك؟كانت هذه القصة تدور في مخيلتي، وأريد أن أفهم سياقاتها، فوائل حلاق لم يبعثر مصداقية الغرب الأكاديمي فقط، ولم يشكك في نزاهته، ولم يثبت علاقته الوجودية التاريخية في مآل العالم الحديث المدمر فقط، ولكنه أعلن بقوة وإصرار، أن الفلسفة المقابلة التي يزدريها الغرب الأكاديمي، ويُخفي معالمها، رغم سرقته لبعض أفكارها، هي مقابل نقضي نقدي لأصول النظرية الغربية، وأن هذا التراث الفقهي للعالم الإسلامي، يحمل نظريات وأفقاً إنسانياً أخلاقياً لا يملكه الغرب، وأن قصة الروح والاعتراف بالوحي والمرجع الغيبي، تضبط ذاتية الإنسان مع الطبيعة، وتصون هذا الوجود.
وحينما أسقط الغرب الفلسفي هذه القاعدة الوجودية عبر الإنسان الإله، سقطت قاعدة الإحسان بين الخلق، ونُفذت برامج الأخلاق الإدارية التي تحكمها المنفعة المادية، مقابل التقوى الجوانية، كما يسميها حلاق، ونحن نقول إنها المرجع الروحي المتعلق (بالناموس) الأكبر في اعترافات الفلاسفة، مع تعدد المسميات، وهو هنا الله الذي ظهر غيبه في يقين المحسوس، وفي دلالة كل مشهود، وعليه، باتت تلك الروح شاءت أم أبت، تستشعرها في تفاصيل خلقها، فكيف تتنحّى عن المرجع الأعلى لأخلاقها؟ولذلك سألت حلاق: كيف ترى تتابع ظاهرة الباحث الغربي المهتم بالتراث الإسلامي؟ ألا يشكل ذلك اليوم تياراً يقوى في مواجهة تطرف الأكاديمية الغربية من الداخل؟ أجابني على الفور بالنفي مطلقاً، فلا تزال هذه الظاهرة ضعيفة أمام تغول سلطة المستبد الأكاديمي، الذي لا يزال يشعر ويمارس فوقيته على الفلسفة الإسلامية، قال لي: أنت في نيويورك ونحن في أطراف جامعة كولومبيا، ذات الموقف المناهض المتطرف ضد فلسطين وذات الفرع الإسرائيلي، لا تزال أوراق الحوار مستمرة فللحديث بقية.
