ابن تيمية أم الغزالي؟

مهنا الحبيل

لقد مهدتُ لمادة اليوم بالمقال السابق، حين استدعيتُ واقع الخلافات المذهبية التي يُدفع بها إلى ساحة المسلمين اليوم، وحجم قضايا الصراع والفرقة المذهبية، وضعف منصات الوعي المتزن في تحرير تاريخ التشريع الإسلامي ومذاهب الأمة، وكيف نفهمها وننظم المعرفة فيها وعبرها، لتكون أحد مصادر التشريع الكوني والعمراني للمسلمين وغيرهم.

إنه لمن العجب أن تسمع شراسة في تحديد مصادر ما يجوز الاستدلال به من علماء الأمة ومذاهبهم، ثم يقول لك أهل هذا المنهج أو التيار أو المدرسة: إن الحل الوحيد لإنقاذ المسلمين هو العودة إلى التراث، وهو يستثني الغالبية الكبرى من علماء الأمة المتقدمين، ومصادر مهمة للتشريع الإسلامي عند أهل السنة، أو في دائرة الاستدلال الكبرى بالوحيين، والتي قد يُفتح على بعض علماء المسلمين فيها من خارج أهل السُّنة.وخاصة في فضاء المعرفة الكبير، وقضايا التحرير والتحديث لما يمر به حاضر العالم المسلم، من تطور فطري لتاريخ الأوطان وواقع الإنسان، جعله الله في أصل التكوين لمدارات الزمن في تاريخ المعمورة

فأين التاريخ الحجري القديم من زمن بعثة السيد المسيح، وأين ذلك من دورة الصراع الكبرى بين فارس والروم في تاريخ الأرض، وبين بعثة المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى العالم الأخير؟

كيف أضحت ثقافة الناس، وما اكتسبوه من علوم عقلية أو عمرانية، أو علوم أداة منتجة في حياتهم ومصالحهم، وطبائع استقرت وطبائع نُسخت، وأحوال بيئية وجغرافية وسياسية.ولذلك، فإن أدق الفقه عند علمائنا ما كان يَعرفُ الواقع الذي يعيشه الناس، وأحوال بيئاتهم؛ وبذلك قُرّرت القاعدة الشرعية: الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ وهي قاعدة دينية تقوم على مبدأ فلسفي مُحكَم.

وهكذا حين يتسع مجهر النظر، ويسكن القلب ويَسلم من نزعات التعصب، ويستدعي البعد الأخلاقي الرشيد، الذي هو ديدن صالحي الأمة، سمَّوه تصوفاً أو تزكية نفس، أو تحقيق مناط الإخلاص في فهم المسألة وتقييم الآراء، موافقة أو مخالفة؛ فهي طبائع حضّ عليها الإسلام، ثم قرنها بحسن التحقيق في دلائل التشريع، بعد استكمال الفهم، واستيعاب النظر لزوايا الخلاف، ووعي سببه، ثم الاعتذار للمخطئ حين يقف الدليل جلياً على منظور الترجيح، ما دام الأمر يسعه الخلاف.وسعة الخلاف تُقدَّر في النظر إلى مسالك الجدل، أكانت اعتقاداً أم فقهاً، أكان تفكيكاً لعقائد باطلة في أصل الوجود، أو في أصول الإيمان الكبرى، وبين الفروع الفقهية، أو مسائل النظر الاجتهادية، لما يطرأ من قضايا حياتية أو مجتمعية أو سياسية في حياة الأمة، أو قطر من أقطارها.

كيف يرفع أقوام الحجة بالإسلام، وأن أصل أزمات الأمة عدم الرجوع لهديه، وهذه قاعدة صحيحة، لكن الاستدلال بها منحرف؛ فهم ذاتهم يكرسون أن أهل السُّنة أنفسهم قد ضلوا، إما باسم أنهم أشاعرة أو ماتوريدية، أو أحياناً لأن هذا الإمام أو الشيخ خالف ظاهر الحديث، أو أنه سلك دروب التزكية بين طرق التصوف، مع ما غشي هذه الطرق من انحرافات لسنا في صدد تحريرها اليوم، ثم يقال إن منهج التصدي للفلسفة الإغريقية في اللاهوت فشل فيه كل علماء الأمة، ونجح فيه الإمام ابن تيمية فقط!

كيف يجتمع هذا التناقض: أهل سُنةٍ ضلّ غالب علمائهم، وعجزوا عن المدافعة الفكرية عن العقيدة الإسلامية، بل هم منحرفون بذاتهم، ثم يقال إن المخرج للأمة هو نبذ اجتهاد الفقه المعرفي، والعودة إلى منهج التراث، وحَمَلة هذا المنهج وتلك المصادر الضخمة هم من تقام عليهم محاكم التفتيش باسم العقيدة الصحيحة؟

هنا خلل خطير، ونشر لقاعدة اضطراب بين حواضر الأمة وبين شبابها، ولا يُظنّ هنا أني أفرد كبرى مدارس الاعتقاد في مسألة رفض الطعن فيهم — وليس الخلاف معهم، فالنقد حق — بل هذا يسري على موقف من انتسب لهاتين المدرستين وطعن في السلفية الحنبلية وشيخها الإمام ابن تيمية. وفصّلت هنا في الحنابلة، باعتبار أن التيار الآخر في الحنابلة، الذي قاده الإمام ابن الجوزي، هو تيار كبير للحنابلة أيضاً؛ فإسقاط الإمام ابن تيمية من الطرف الآخر، هو أيضاً ظلم للمنهج الرشيد للأمة، الذي يجب علينا اتباعه.

إن خلاصة هذه القاعدة، أنه لا يجوز أن نحيي أدوات الصراع المذهبي، ونفرز بموجبها عطاء الأمة، ونحن نعتمد التطرف المذهبي أو التصنيف الأيديولوجي القديم والحديث.والذي يعتبر تلك الصراعات منتجاً عقائدياً صحيحاً لن يكون مؤهلاً لتأسيس بناء الشريعة الجديد في هذا العالم؛ لأن شروط التكفير والتضليل تحاصره، ونفسه المأزومة باحتقان نفسي لن تعينه، فهو ينظر إلى علو مذهبه وجماعاته، أكان يصارع مذاهب شرعية أم مدارس فكرية سعت لإنقاذ المسلمين، ولبلاغ العالم بمفاهيم رسالة العمران القرآني لسيد المرسلين ﷺ.