من يُفتي العالم في النظام الكوني؟
مهنا الحبيل
استمر توظيف الدين بحسب المصالح بعد القرون الوسطى، ويدل على ذلك سقوط الكنيسة، إلا فيما ندر، في التواطؤ مع مصالح ترويج المثلية وفرضها على الغرب، ثم على بقية العالم. وهناك مثال آخر على دور الكنيسة اليمينية المتطرفة، وهو التقوّي بأموال ضرائب الشركات، بمئات الملايين من الدولارات، في دعم قساوستها الذين يُستخدمون بصورة فجة للترويج للأحزاب اليمينية، بل وحتى الأحزاب اليسارية، في حروب الغرب على العالم الجنوبي.وقد استعرضنا ظاهرة الفسق الديني في البيان القرآني، وركزنا على تاريخ أهل الكتاب، غير أن هناك سؤالًا مهمًّا للغاية، وهو: هل انتقل هذا الداء إلى بعض علماء المسلمين؟نحتاج هنا إلى أن نشير إلى مسألة مهمة في تعيين العلماء في الإسلام؛ فهو لا ينحصر في علوم النص الشرعي، وهو الكتاب والسنة، إذ إن هناك ما يُطلق عليه علوم الآلة، وهي ليست محتكرة في المنطق أو النحو والفلك، على سبيل المثال، للوصول إلى مقاصد الشارع، بل تتوسع كلما استُدعيت قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. غير أن ميزة التاريخ الإسلامي هي تعدد الحالات الموسوعية لدى علماء الشريعة، حيث ترى للعالم باعًا في الطب والفلك، وهو فقيه مذهبي أو مفسر للقرآن الكريم، أو مُحدّث مسند في السنة النبوية.وفي العصور المتأخرة، بات هناك من يُطلق عليهم علماء الفكر الإسلامي، ضمن ميراث رسالة التجديد الشرعي، وهم يتمتعون بإلمام شرعي مهم في الأصول، ويستكملون بيان الحكم في تداول هذا العلم العمراني، أو ذاك، بحكم تخصصهم ودقة نظرهم في هذه الفضاءات، بعد أن استوفوا الحد اللازم من مدلولات الشريعة. وهذه مزية في تاريخ التشريع الإسلامي، لم يحصل مثلها في قضية احتكار العلم (الديني) عند الغرب، وفتح باب المتاجرة باللاهوت ومنع مجادلة الرهبان.كما أن مقتضيات إقامة العدل السياسي والاجتماعي، والتقدم العلمي الرشيد، وتوسيع البيئة الصالحة، وضبط الأسواق، وحماية الصناعات من التغول المادي، مدارات تشملها علوم الآلة في الشريعة. وهذا أيضًا كان محدودًا للغاية، وظلت مسائل الكنيسة أو المعبد، تدور حول مفهوم اللاهوت الروحي المنفصل، عن عالم الخلق وواقعهم. وفي الآية القرآنية معنى شمولي لهذه الحياة: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام].هنا نلحظ فتح الباب الإلهي في قرآنه للدفاع عن معالم الشريعة، وتحقيق مقام الفتوى فيها، ثم الذب عنها من أباطيل التأويل التي ينتجها أحبار الفسق الديني. وفي تراجم علماء المسلمين يتبين لك دور المحاسبة والتقريع في حماية أصل الدين؛ فعندما يُنقل، على سبيل المثال، رفض العلماء الثقات تزيين علماء السوء، وهم كثر، للحاكم الظالم باستخدام نصوص الشريعة، نجد أن هذه المدافعة حققت للإسلام وقاية من السقوط التاريخي أمام الفسق الديني في الأمم السابقة. فحتى اليوم يُضلَّل العامة بحسب أهواء شيخٍ أو واعظ، غير أن استقرار انحرافهم لتغيير حقيقة الدين لم يتحقق، كما جرى مع أهل الكتاب.لقد ظل العلماء الإصلاحيون في الشريعة يحذرون من أن يَرِد العالم حوض الملوك الظالمين، وأن يشرب منه بعض علماء المسلمين، فيرتد عن الحق. إن الإشكال هنا في التاريخ هو أن مجرد التحذير من شربة الفسق يعني أن هناك تكلفة تقع على هذا الشيخ أو ذاك العالم، تحت سوط المستبدين أو المستثمرين الفساق في الدين، فيصمت العالم.فإذا قيل إن أولئك العلماء الصامتين لهم عذرهم عند ربهم، فهل ما سكتوا عنه شريعة؟هنا مفصل القضية؛ إذ إننا لا يمكن أن نحرر القانون الأخلاقي الأعلى، المرتبط بما ارتضته شريعة الخالق لعمران المخلوق، كما تنظمه الرؤية الكونية في الإسلام، ونحن نخلط بين القانون القرآني الأعلى وبين قوانين الفسق الديني التي اجترحها بعض علماء المسلمين في تاريخ الأمة.أو سكتوا عن تغيير السلاطين، فوقع الوهم بأن ذلك الفقه من الشريعة. فلا يمكن النظر إلى الميزان الأعلى لقانون العالم الدستوري دون إبطال ما نُحل إلى الشريعة. إن استدعاءنا المهم لبيان القرآن الكريم في الفسق الديني، أي وضع أنظمة وأحكام للهوى والمصالح تُمكّن الظلمة أو المنحرفين، هو هدم لمغالطة تاريخية تعتسف كل خطيئة من علماء سوء أو جهل، أو عجز عن إدراك محل النزاع وتحرير فقه العمران فيه. وعليه تظهر هنا محددات الفتوى الكونية، كفقه أممي لا نازلة موسمية، فهذه الفتوى قد تكون بحثاً أو كتاب، أو توجيه وخطاب في منصة عالمية، أو مشروع أخلاقي، لقانون قيمي، ينقذ الناس من كوارث القانون الحداثي على البشرية.
