تغطية الإسلام بين الغلو التراثي والغرب الأكاديمي

مهنا الحبيل

لقد كان من المهم أن أطالع بعض المواد التي انتقدت د. جوناثان براون، حتى لو لم تكن المادة التي أحررها هنا نموذجاً استيعابياً لتوجهاته؛ فلا بد من النظر إلى نقاشات الأطراف الأخرى لإعطائنا فرصة مراجعة أدق لبعض خلاصات الاستنتاج، ولكي تكون ورقة البحث المؤطَّرة ضمن مشروع الرؤية الكونية البديل للإسلام في هذا العالم أدقَّ تحريراً.

وهذه المجسّات البحثية عن أطر الدراسات أو مقاصدها بين الشرق والغرب تُساعد في خلق بنية حيوية للتحرير، ولتواصل الأفكار بين المهتمين، مهما بلغت درجات الخلاف بينهم.

بأملِ أن تحكمنا القواعد الأخلاقية، التي أوصى بها النبي صلى الله عليه وسلم، في ذمِّ البهتان وعدم التثبّت، وفي عِظَم الافتراء على الموافق والمخالف لك، أكان من المسلمين أم من غيرهم؛ فتلك عقيدة أخلاقية وشريعة قطعية لم يُنتجها الغرب، الذي كذّبت غالبية مصادره على الإسلام، وساهمت قديماً وحديثاً في استخدامها لتغطية الإسلام، لصالح فلسفة تهدم الكرامة الإنسانية والسلامة العالمية للفطرة الإلهية بين الناس.

وهذه الهيمنةُ في افتراءات المركزية الغربية تصدّى لها نخبةُ وعيٍ جديدٍ، فرضت رؤيةَ التشكيك في الحداثة وأكاديميتها، ونقضت سرديتها عن الإسلام وحضارته؛ فكيف تُواجه تلك النخبة من الباحثين وتُحارَب لصالح الغرب باسم التراث؟

وهي نخبةٌ لا يلزم ألا تقع في أخطاء، ولا هي مُحصَّنة عن الردّ عليها، لكن دون بهتانٍ أو هدمٍ لها. فيجب علينا كباحثين مسلمين، أولاً، أن نتحلّى بما يُناقض ذلك في أخلاق الشريعة الإسلامية.

وحديثُنا هنا لا يقف عند جوناثان براون فحسب، بل يمتدّ إلى حالات تشمل أستاذَ فلسفة الأخلاق الإسلامية الكبير د. وائل حلاق وغيره.وقد كان من المهم بالنسبة لي أن ألحظ أن بعض نقد جوناثان براون هو نقدٌ تحفّزيٌّ أوليٌّ، يتجاوزه إلى الموقف من الباحثين الغربيين المدافعين عن الإسلام؛ ولذلك طرحتُ جوناثان براون ونقده نموذجاً للاتجاه البحثي الجديد والنقدِ المضاد.

وظاهرةِ الباحثين الغربيين المنصفين، لا يلزم منه أن تكون هذه محاولاتهم أو نتائج قراءاتهم، مستوفيةً لشروط التدليل الشرعي؛ سواءً كان ذلك بسبب خلاف المناهج القديم بين أهل السُّنّة ومن يتقاطع معهم من قربٍ اتفاقاً أو خلافاً، كالمعتزلة والظاهرية، أو كان ممّن برز له دلالة من استنباط، وله في ذلك رأيٌ متقدّم من ثروة الفقه الشرعي، أو قاعدةٌ صلبة من أصول الفقه ومقاصد الشريعة؛ فحرّر مساهمته في دلالات النص القطعي، أو الوقائع في تاريخ التشريع الإسلامي، لتُعتمد في رحلة العالم الأخلاقي الجديد، الذي يسعى لحريته من قبضة المركزية الغربية، ومشاريع تطرفها الفكرية.وشخصياً لاحظتُ إشكالاً مهماً، في تناول جوناثان براون لقضية الرق في الإسلام، يخالف تاريخ التشريع الإسلامي في مقصده البيّن المطلق، ودائرة الحكم والتعليل فيه.

وأن جوناثان، وإن وُفِّق في بيان وجود هذا النظام قبل الإسلام في تاريخ البشرية بصورة متوحشة شرسة، إلا أنه أخطأ من حيث عدم وضوح مقصد التشريع؛ إذ ليس في الإسلام، في الأصل، نظامُ عبودية، وإنما نظامُ أَسْر، فُتح له بابٌ واسع من الاعتاق، ووُضعت له شروطٌ في الإحسان للعبيد، تُخالف ما طرأ في بعض تاريخ المسلمين أنفسهم، مما حوّل الرقَّ إلى متطلبٍ دنيويٍّ عندهم للسُّخرة الطبقية؛ وهذا انحرافٌ كبيرٌ عن القانون الإسلامي.

بل إن الإمام الذهبي حين يورد نماذج لهذا الانحراف في الجرائم التي ارتكبها بعض الولاة والقادة في عهد عثمان رضي الله عنه، يوردها بالذم ويُثبت الإنكار عليها من جماعة المسلمين المحيطة بذلك القائد، ويروي سرديتها ضمن عهد التراجع عن سُنّة عمر، ومنهج الشريعة التي استبقت أمر الفتنة، وانتهت إلى صناعة فجوة بين عثمان وبين كتلة من الصحابة ليست قليلة؛ ثم كانت فاجعتهم في مذبحه رضي الله عنه.

وكان مبدأ الأمر الاعتماد على بني أمية، الذين توسعوا، وأسرف بعضهم؛ ومن ثم بدأت الفرقة بين عثمان وبين بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا مبحثٌ يطول شرحه، وليس من المناسب أن أُعيد هنا كامل البحث الذي حررته في قضية الأسر في الإسلام والعبودية في الغرب، والفارق بينهما، وهو متاح في كتابي «فكر السيرة»، ولكني أُدلّل على نماذج الإشكال والأخطاء التي يمكن أن تَرِدَ على هؤلاء الباحثين الغربيين المنصفين.

وهنا دورُ النقد الإيجابي التكاملي في مراجعة ما وصل إليه أولئك الباحثون، دون أن يُلغي ذلك واجبَ التحرير الذاتي للباحث الإسلامي، الذي امتلك أدوات وقواعد الرؤية الفكرية التي تُعينه على فقه الوعي الجديد في عمران الأرض والمدافعة بين الناس لمصالح الخلق؛ فيُحرّك جهوده لخدمة الإسلام، لا المشاركة مع من يسعى الغربُ لحصار تمرّده على أكاديميته.